نعم من الممكن أن يقدر لمعنى قوله : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أن يكون النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يخاف الناس في أمر تبليغه أن يتهموه بما يفسد به الدعوة فسادا لا تنجح معه أبدا فقد كان أمثال هذا الرأي والاجتهاد جائزا له مأذونا فيه من دون أن يرجع معنى الخوف الى نفسه بشيء.
ومن هنا يظهر أن الآية لم تنزل في بدء البعثة كما يراه بعض المفسرين إذ لا معنى حينئذ لقوله تعالى : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) إلا أن يكون النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يماطل في إنجاز التبليغ خوفا من الناس على نفسه أن يقتلوه فيحرم الحياة أو أن يقتلوه ويذهب التبليغ باطلا لا أثر له فإن ذلك كله لا سبيل الى احتماله.
على أن المراد بما أنزل اليه من ربه لو كان أصل الدين أو مجموعه في الآية عاد معنى قوله : (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) الى نحو قولنا : يا أيها الرسول بلغ الدين وإن لم تبلغ الدين فما بلغت الدين.
وأما جعله من قبيل قول أبى النجم :
أنا أبو النجم وشعري شعري
كما ذكره بعضهم أن معنى الآية : وإن لم تبلّغ الرسالة فقد لزمك شناعة القصور في التبليغ والإهمال في المسارعة الى ايتمار ما أمرك به الله سبحانه ، وأكده عليك كما أن معنى قول أبي النجم : أني أنا أبو النجم وشعري شعري المعروف بالبلاغة المشهور بالبراعة.
فإن ذلك فاسد لأن هذه الصناعة الكلامية إنما تصح في موارد العام والخاص والمطلق والمقيد ونظائر ذلك فيفاد بهذا السياق اتحادهما كقول أبي النجم : شعري شعري أي لا ينبغي أن يتوهم علي متوهم أن قريحتي كلّت أو أن الحوادث أعيتني أن أقول من الشعر ما كنت أقوله فشعري الذي أقوله اليوم هو شعري الذي كنت أقوله بالأمس.
وأما قوله تعالى : (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) فليس يجري فيه مثل هذه العناية فإن
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
