الشرائع هي ان الاحكام الفرعية فيها اوسع واشمل لجميع شئون الحيوة ، فهي اكثر عناية بحفظ مصالح العباد ، على أن أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة والموعظة والجدال الاحسن ، ثم ان الدين وان كان دينا واحدا والمعارف الكلية في الجميع على السواء غير أنهم سلكوا سبيل ربهم قبل سلوكنا ، وتقدموا في ذلك علينا ، فامرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا اليه هذا.
أقول : وهذا الكلام مبنى على اصول في مسلك التفسير مخالفة للاصول التي يجب أن يبتنى مسلك التفسير عليها ، فانه مبني على أن حقائق المعارف الاصلية واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات ، وكذا سائر الكمالات الباطنية المعنوية ، فأفضل الأنبياء المقربين مع أخس المؤمنين من حيث الوجود وكماله الخارجي التكويني على حد سواء ، وإنما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعي من غير ان يتكي على تكوين ، كما ان التفاضل بين الملك والرعية إنما هو بحسب المقام الجعلي الوضعي من غير تفاوت من حيث الوجود الإنساني هذا.
ولهذا الأصل أصل آخر يبنى عليه ، وهو القول بأصالة المادة ونفي الاصالة عما ورائها والتوقف فيه إلا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل ، وقد وقع في هذه الورطة من وقع ، لاحد امرين : إما القول بالاكتفاء بالحسّ اعتمادا على العلوم المادية وإما إلغاء التدبر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم العامي.
وللكلام ذيل طويل سنورده في بعض الابحاث العلمية الآتية إنشاء الله تعالى.
وخامسها : ان مزية اصحاب الصراط المستقيم على غيرهم ، وكذا صراطهم على سبيل غيرهم ، إنما هو بالعلم لا العمل ، فلهم من العلم بمقام ربهم ما ليس لغيرهم ، اذ قد تبين مما مر : ان العمل التام موجود في بعض السبل التي دون صراطهم ، فلا يبقى لمزيتهم إلا العلم ، واما ما هذا العلم؟ وكيف هو؟ فنبحث عنه انشاء الله في قوله تعالى : (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
