ورابعها : ان الصراط المستقيم لما كان امرا محفوظا في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها ، صح ان يهدي الله الانسان اليه وهو مهدي فيهديه من الصراط الى الصراط ، بمعنى أن يهديه الى سبيل من سبله ثم يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل الى ما هو فوقها درجة ، كما أن قوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّراطَ) (وهو تعالى يحكيه عمن هداه بالعبادة) من هذا القبيل ، ولا يرد عليه : ان سؤال الهداية ممن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال وكذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلق به سؤال ، والجواب ظاهر.
وكذا الايراد عليه : بأن شريعتنا أكمل وأوسع من جميع الجهات من شرائع الامم السابقة ، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا الى صراط الذين أنعم الله عليهم منهم؟ وذلك ان كون شريعة أكمل من شريعة أمر ، وكون المتمسك بشريعة اكمل من المتمسك بشريعة امر آخر ورائه ، فان المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم (مع كون شريعته اكمل وأوسع) ليس بأكمل من نوح وابراهيم عليهماالسلام مع كون شريعتهما اقدم وأسبق ، وليس ذلك إلا ان حكم الشرائع والعمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكن فيها والتخلق بها ، فصاحب مقام التوحيد الخالص وان كان من اهل الشرائع السابقة أكمل وأفضل ممن لم يتمكن من مقام التوحيد ولم تستقر حيوة المعرفة في روحه ولم يتمكن نور الهداية الالهية من قلبه ، وإن كان عاملا بالشريعة المحمدية صلىاللهعليهوآلهوسلم التي هي اكمل الشرائع وأوسعها ، فمن الجائز أن يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة ويسأل الله الهداية الى مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة التي هي دونها.
ومن أعجب ما ذكر في هذا المقام ، ما ذكره بعض المحققين من اهل التفسير جوابا عن هذه الشبهة : ان دين الله واحد وهو الاسلام ، والمعارف الاصلية وهو التوحيد والنبوّة والمعاد وما يتفرع عليها من المعارف الكلية واحد في الشرائع ، وانما مزية هذه الشريعة على ما سبقها من
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
