فقد ظهر : أن وجود الخطورات المنافية للعقائد اليقينية لا ينافي الإيمان والتصديق دائما ، غير أنها تؤذي النفس ، وتسلب السكون والقرار منها ، ولا يزول وجود هذه الخواطر إلا بالحس أو المشاهدة ، ولذلك قيل : إن للمعاينة أثرا لا يوجب مع العلم ، وقد أخبر الله تعالى موسى في الميقات بضلال قومه بعبادة العجل فلم يوجب ذلك ظهور غضبه حتى اذا جاءهم وشاهدهم وعاين أمرهم غضب وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره اليه.
وقد ظهر من هنا ومما مر سابقا أن ابراهيم عليهالسلام ما كان يسأل المشاهدة بالحس الذي يتعلق بقبول أجزاء الموتى الحياة بعد فقدها ، بل انما كان يسأل مشاهدة فعل الله سبحانه وأمره في إحياء الموتى ، وليس ذلك بمحسوس وان كان لا ينفك عن الامر المحسوس الذي هو قبول الاجزاء المادية للحياة بالاجتماع والتصور بصورة الحي ، فهو عليهالسلام انما كان يسأل حق اليقين.
قوله تعالى : (قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً) ، صرهن بضم الصاد على إحدى القرائتين من صار يصور اذا قطع أو امال ، أو بكسر الصاد على القرائة الأخرى من صار يصير بأحد المعنيين ، وقرائن الكلام يدل على إرادة معنى القطع ، وتعديته بإلى تدل على تضمين معنى الإمالة. فالمعنى : اقطعهن مميلا اليك أو أملهن قاطعا إياهن على الخلاف في التضمين من حيث التقدير.
وكيف كان فقوله تعالى : (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) ، الخ ؛ جواب عن ما سأله ابراهيم عليهالسلام بقوله : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) ، ومن المعلوم وجوب مطابقة الجواب للسؤال ، فبلاغة الكلام وحكمة المتكلم يمنعان عن اشتمال الكلام على ما هو لغو زائد لا يترتب على وجوده فائدة عائدة الى الغرض المقصود من الكلام وخاصة القرآن الذي هو خير كلام القاه خير متكلم الى خير سامع واع ، وليست القصة على تلك البساطة التي تترائى منها في بادي
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
