الماء اذا سال اليها والحجر اذا هبط اليها.
وقد قال تعالى : (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) ، ولم يقل : ألم تؤمن للاشعار بأن للسؤال والطلب محلا لكنه لا ينبغي ان يقارن عدم الإيمان بالاحياء : ولو قيل : ألم تؤمن دل على ان المتكلم تلقى السؤال منبعثا عن عدم الايمان ، فكان عتابا وردعا عن مثل هذا السؤال ، وذلك ان الواو للجميع ، فكان الاستفهام معه استفهاما عن ان هذا السؤال هل يقارنه عدم الايمان ، لا استفهاما عن وجه السؤال حتى ينتج عتابا وردعا.
والايمان مطلق في كلامه تعالى ، وفيه دلالة على ان الايمان بالله سبحانه لا يتحقق مع الشك في أمر الاحياء والبعث ، ولا ينافي ذلك اختصاص المورد بالاحياء لأن المورد لا يوجب تخصيص عموم اللفظ ولا تقييد إطلاقه.
وكذا قوله تعالى حكاية عنه عليهالسلام : (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، مطلق يدل على كون مطلوبه عليهالسلام من هذا السؤال حصول الاطمينان المطلق وقطع منابت كل خطور قلبي واعراقه ، فإن الوهم في إدراكاتها الجزئية واحكامها لما كانت معتكفة على باب الحس وكان جل أحكامها وتصديقاتها في المدركات التي تتلقاها من طريق الحواس فهي تنقبض عن مطاوعة ما صدقه العقل ، وإن كانت النفس مؤمنة موقنة به ، كما في الاحكام الكلية العقلية الحقة من الامور الخارجة عن المادة الغائبة عن الحس فإنها تستنكف عن قبولها وان سلمت مقدماتها المنتجة لها ، فتخطر بالبال أحكاما مناقضة لها ، ثم تثير الاحوال النفسانية المناسبة لاستنكافها فتقوى وتتأيد بذلك في تأثيرها المخالف ، وان كانت النفس من جهة عقلها موقنة بالحكم مؤمنة بالأمر فلا تضرها إلا أذى ، كما ان من بات في دار مظلمة فيها جسد ميت فإنه يعلم : ان الميت جماد من غير شعور وإرادة فلا يضر شيئا ، لكن الوهم تستنكف عن هذه النتيجة وتستدعي من المتخيلة ان تصور للنفس صورا هائلة موحشة من أمر الميت ثم تهيج صفة الخوف فتتسلط على النفس ، وربما بلغ الى حيث يزول العقل أو تفارق النفس.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
