والاعتبار وسياق الآية الشريفة يأبى ان تنزل بعد آية البقرة وآيتي المائدة فإنهما تدلان على النهي المطلق ، ولا معنى للنهي الخاص بعد ورود النهي المطلق ، على أنه ينافي التدريج المفهوم من هذه الآيات فإن التدريج سلوك من الاسهل الى الاشق لا بالعكس.
ثم نزلت آية البقرة أعني قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) وهذه الآية بعد آية النساء كما مر بيانه وتشتمل الآية على التحريم لدلالتها القطعية على الإثم في الخمر (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) وتقدم نزول آية الاعراف المكية الصريحة في تحريم الاثم.
والنفع خلاف الضرر ويطلقان على الامور المطلوبة لغيرها أو المكروهة لغيرها كما ان الخير والشر يطلقان على الامور المطلوبة لذاتها أو المكروهة لذاتها ، والمراد بالمنافع فيهما ما يقصده الناس بهما من الاستفادات المالية بالبيع والشرى والعمل والتفكه والتلهي ، ولما قوبل ثانيا بين الاثم والمنافع بالكبر أوجب ذلك إفراد المنافع والغاء جهة الكثرة فيها فإن العدد لا تأثير له في الكبر فقيل : واثمهما اكبر من نفعهما ولم يقل من منافعهما.
قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) ، العفو على ما ذكره الراغب قصد الشيء لتناوله ثم أوجب لحوق العنايات المختلفة الكلامية به مجيئه لمعاني مختلفة كالعفو بمعنى المغفرة والعفو بمعنى إمحاء الاثر والعفو بمعنى التوسط في الانفاق ، وهذا هو المقصود في المقام ، والله العالم.
والكلام في مطابقة الجواب للسؤال في هذه الآية نظير ما مر في قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) ، الآية.
قوله تعالى : (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ) ـ الى قوله ـ (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) ، الظرف أعني قوله تعالى : (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) ، متعلق بقوله : (تَتَفَكَّرُونَ) وليس بظرف له ، والمعنى لعلكم تتفكرون في امر الدارين وما يرتبط بكم في حقيقتهما ، وان الدنيا دار خلقها الله لكم لتحيوا فيها وتكسبوا
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
