السؤال لم يكن عن ماهية القمر واختلاف تشكلاته اذ لو كان كذلك لكان الانسب ان يقال : يسئلونك عن القمر لا عن الاهلة ، وايضا لو كان السؤال عن حقيقة الهلال وسبب تشكله الخاص كان الانسب ان يقال : يسئلونك عن الهلال اذ لا غرض حينئذ يتعلق بالجمع ، ففي اتيان الاهلة بصيغة الجمع دلالة على ان السؤال انما كان عن السبب أو الفائدة في ظهور القمر هلالا بعد هلال ورسمه الشهور القمرية ، وعبر عن ذلك بالاهلة لانها هي المحققة لذلك فاجيب بالفائدة.
ويستفاد ذلك من خصوص الجواب : قل هي مواقيت للناس والحج ، فإن المواقيت وهي الازمان المضروبة للافعال ، والاعمال انما هي الشهور دون الاهلة التي ليست بأزمنة وانما هي أشكال وصور في القمر.
قوله تعالى : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) ـ الى قوله ـ (مِنْ أَبْوابِها) ، ثبت بالنقل ان جماعة من العرب الجاهلي كانوا اذا أحرموا للحج لم يدخلوا بيوتهم عند الحاجة من الباب بل اتخذوا نقبا من ظهورها ودخلوا منه فنهى عن ذلك الاسلام وامرهم بدخول البيوت من ابوابها ، ونزول الآية يقبل الانطباق على هذا الشأن ، وبذلك يصح الاعتماد على ما نقل من شأن نزول الآية على ما سيأتي نقله.
ولو لا ذلك لامكن ان يقال : ان قوله : (وَلَيْسَ الْبِرُّ) الى آخره ؛ كناية عن النهى عن امتثال الاوامر الالهية والعمل بالاحكام المشرعة في الدين إلا على الوجه الذي شرّعت عليه ، فلا يجوز الحج في غير أشهره ، ولا الصيام في غير شهر رمضان وهكذا وكانت الجملة عليهذا متمما لاول الآية ، وكان المعنى : ان هذه الشهور أوقات مضروبة لاعمال شرعت فيها ولا يجوز التعدي بها عنها الى غيرها كالحج في غير أشهره ، والصوم في غير شهر رمضان وهكذا فكانت الاية مشتملة على بيان حكم واحد.
وعلى التقدير الاول الذي يؤيده النقل فنفى البر عن إتيان البيوت من ظهورها يدل على ان
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
