العمل المذكور لم يكن مما امضاه الدين وإلّا لم يكن معنى لنفى كونه برا فانما كان ذلك عادة سيئة جاهلية فنفى الله تعالى كونه من البر ، وأثبت ان البر هو التقوى ، وكان الظاهر ان يقال : ولكن البر هو التقوى ، وانما عدل الى قوله : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى) ، اشعارا بان الكمال انما هو في الاتصاف بالتقوى وهو المقصود دون المفهوم الخالي كما مر نظيره في قوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ) ، الآية.
والامر في قوله تعالى : (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) ، ليس امرا مولويا وإنما هو إرشاد الى حسن إتيان البيوت من أبوابها لما فيه من الجرى على العادة المألوفة المستحسنة الموافقة للغرض العقلائي في بناء البيوت ووضع الباب مدخلا ومخرجا فيها ، فإن الكلام واقع موقع الردع عن عادة سيئة لا وجه لها إلّا خرق العادة الجارية الموافقة للغرض العقلائي ، فلا يدل على أزيد من الهداية الى طريق الصواب من غير إيجاب ، نعم الدخول من غير الباب بمقصد أنه من الدين بدعة محرمة.
قوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، قد عرفت في أول السورة ان التقوى من الصفات التي يجامع جميع مراتب الايمان ومقامات الكمال ، ومن المعلوم ان جميع المقامات لا يستوجب الفلاح والسعادة كما يستوجبه المقامات الاخيرة التي تنفي عن صاحبها الشرك والضلال وإنما تهدي الفلاح وتبشر بالسعادة ، ولذلك قال تعالى : واتقوا الله لعلكم تفلحون ، فأتى بكلمة الترجى ، ويمكن ان يكون المراد بالتقوى امتثال هذا الامر الخاص الموجود في الآية وترك ما ذمه من إتيان البيوت من ظهورها.
(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
