تعديلا حقا يقطع منابت الفساد لا يتعداه تصرف من متصرف إلّا كان باطلا ، فالآية كالشارحة لإطلاق قوله تعالى : (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) وفي إضافته الاموال الى الناس إمضاء منه لما استقر عليه بناء المجتمع الانساني من اعتبار أصل الملك واحترامه في الجملة من لدن استكن هذا النوع على بسيط الارض على ما يذكره النقل والتاريخ ، وقد ذكر هذا الاصل في القرآن بلفظ الملك والمال ولام الملك والاستخلاف وغيرها في أزيد من مأة مورد ولا حاجة الى إيرادها في هذا الموضع ، وكذا بطريق الاستلزام في آيات تدل على تشريع البيع والتجارة ونحوهما في بضعة مواضع كقوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) (البقرة / ٢٧٥) ، وقوله تعالى : (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) (النساء / ٢٩) ، وقوله تعالى : (تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها) (التوبة / ٢٤) ، وغيرها ، والسنة المتواترة تؤيده.
قوله تعالى : (وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً) ، الإدلاء هو ارسال الدلو في البئر لنزح الماء كني به عن مطلق تقريب المال الى الحكام ليحكموا كما يريده الراشي ، وهو كناية لطيفة تشير الى استبطان حكمهم المطلوب بالرشوة الممثل لحال الماء الذي في البئر بالنسبة الى من يريده ، والفريق هو القطعة المفروقة المعزولة من الشيء ، والجملة معطوفة على قوله : تأكلوا ، فالفعل مجزوم بالنهي ، ويمكن ان يكون الواو بمعنى مع والفعل منصوبا بأن المقدرة ، والتقدير مع ان تأكلوا فتكون الآية بجملتها كلاما واحدا مسوقا لغرض واحد ، وهو النهي عن تصالح الراشي والمرتشي على أكل أموال الناس بوضعها بينهما وتقسيمها لانفسهما بأخذ الحاكم ما هدلى به منها اليه واخذ الراشي فريقا آخر منها بالإثم وهما يعلمان ان ذلك باطل غير حق (١).
__________________
(١) البقرة ١٨٨ : بحث علمي واجتماعي في الملكية.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
