واختلفت أحكامها ، وعنت الوجوه للحي القيوم ، فإله العالم الموجد له والمدبر لأمره واحد (وهذا هو البرهان الثاني).
ثم إن الإنسان الذي هو موجود أرضي يحيى في الأرض ويعيش في الأرض ثم يموت ويرجع الى الأرض لا يفتقر في شيء من وجوده وبقائه الى أزيد من هذا النظام الكلي الذي لمجموع هذا العالم المتصل تدبيره ، الواحد نظامه ، فهذه الأجرام العلوية في إنارتها وتسخينها ، وهذه الأرض في اختلاف ليلها ونهارها ورياحها وسحبها وأمطارها ومنافعها التي تجري من قطر الى قطر من رزق ومتاع هي التي تحتاج اليها الإنسان في حاجته المادية وتدبير وجوده وبقائه ـ والله من ورائهم محيط ـ فإلهها الموجد لها المدبر لأمرها هو إله الإنسان الموجد له والمدبر لأمره (وهذا هو البرهان الثالث).
ثم ان هذا الإله هو الذي يعطي كلا ما يحتاج اليه في سعادته الوجودية وما يحتاج اليه في سعادته في غايته وآخرته لو كان له سعادة اخروية غائية فإن الآخرة عقبى هذا الدار ، وكيف يمكن أن يدبر عاقبة الأمر غير الذي يدبر نفس الأمر؟ (وهذا هو البرهان على الإسمين الرحمن الرحيم).
وعند هذا تم تعليل الآية الاولى بالثانية وفي تصدير الآية بلفظة ، إن ؛ الدالة على التعليل إشارة الى ذلك ـ والله العالم ـ.
فقوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، اشارة الى ذوات الأجرام العلوية والأرض بما تشتمل على تراكيبها من بدائع الخلق وعجائب الصنع ، من صور تقوّم بها أسمائها ، ومواد تتألف منها ذواتها ، وتحول بعضها الى بعض ، ونقص او زيادة تطرئها ، وتركب أو تحلل يعرضها ، كما قال : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) (الرعد / ٤١) ، وقال : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) (الأنبياء / ٣٠).
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
