الغيبة لدخالة صفة الرسالة في هذا التميز ، والمراد بجعل القبلة السابقة : جعلها في حق المسلمين ، وان كان المراد أصل جعل بيت المقدس قبلة فالمراد مطلق الرسول ، والكلام على رسله من غير التفات ، غير انه بعيد من الكلام بعض البعد.
وثانيا : ان الصلوات التي كان المسلمون صلوها الى بيت المقدس كيف حالها ، وقد صليت الى غير القبلة؟ والجواب : ان القبلة قبلة ما لم تنسخ ، وان الله سبحانه اذا نسخ حكما رفعه من حين النسخ ، لا من أصله ، لرأفته ورحمته بالمؤمنين ، وهذا ما أشار اليه بقوله : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ، إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ). والفرق بين الرأفة والرحمة ، وبعد اشتراكهما في أصل المعنى ، ان الرأفة يختص بالمبتلى المفتاق ، والرحمة أعم.
قوله تعالى : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) ، الآية تدل على ان رسول الله قبل نزول آية القبلة ـ وهي هذه الآية ـ كان يقلّب وجهه في آفاق السماء ، وان ذلك كان انتظارا منه ، أو توقعا لنزول الوحي في أمر القبلة ، لما كان يجب ان يكرّمه الله تعالى بقبلة تختص به ، لا انه كان لا يرتضى بيت المقدس قبلة ، وحاشا رسول الله من ذلك ، كما قال تعالى : فلنولينك قبلة ترضيها ، فان الرضا بشيء لا يوجب السخط بخلافه بل اليهود على ما في الروايات الواردة في شأن نزول الآية كانوا يعيّرون المسلمين في تبعية قبلتهم ، ويتفاخرون بذلك عليهم ، فحزن رسول الله ذلك ، فخرج في سواد الليل يقلب وجهه الى السماء ينتظر الوحي من الله سبحانه ، وكشف همه فنزلت الآية ، ولو نزلت على البقاء بالقبلة السابقة لكانت حجة له صلىاللهعليهوآلهوسلم على اليهود ، وليس ولم يكن لرسول الله ولا للمسلمين عار في استقبال قبلتهم ، اذ ليس للعبد إلا الاطاعة والقبول ، لكن نزلت قبلة جديدة ، فقطع تعييرهم وتفاخرهم ، مضافا الى تعيين التكليف ، فكانت حجة ورضى.
قوله تعالى : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ، الشطر البعض ، وشطر المسجد الحرام هو الكعبة ، وفي قوله تعالى
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
