شطر المسجد الحرام دون ان يقال : فول وجهك الكعبة ، أو يقال : فول وجهك البيت الحرام ، محاذاة للحكم في القبلة السابقة ، فانها كانت شطر المسجد الأقصى ، وهي الصخرة المعروفة هناك ، فبدلت من شطر المسجد الحرام ـ وهي الكعبة ـ على ان اضافة الشطر الى المسجد ، وتوصيف المسجد بالحرام يعطي مزايا للحكم ، تفوت لو قيل : الكعبة أو البيت الحرام.
وتخصيص رسول الله بالحكم أولا بقوله فول وجهك ، ثم تعميم الحكم له ولغيره من المؤمنين بقوله وحيث ما كنتم يؤيد ان القبلة حولت ، ورسول الله قائم يصلي في المسجد ـ والمسلمون معه ـ فاختص الامر به ، أولا في شخص صلوته ثم عقب الحكم العام الشامل له ولغيره ، ولجميع الأوقات والأمكنة.
قوله تعالى : (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) ، وذلك لاشتمال كتابهم على صدق نبوة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو كون قبلة هذا النبي الصادق هو شطر المسجد الحرام ، واياما كان فقوله : (أُوتُوا الْكِتابَ) ، يدل على اشتمال كتابهم على حقية هذا التشريع ، اما مطابقة أو تضمنا ، وما الله بغافل عما يعملون من كتمان الحق ، واحتكار ما عندهم من العلم.
قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ) ، تقريع لهم بالعناد واللجاج ، وان ابائهم عن القبول ليس لخفاء الحق عليهم ، وعدم تبينه لهم ، فانهم عالمون بأنه حق علما لا يخالطه شك ، بل الباعث لهم على بث الاعتراض وإثارة الفتنة عنادهم في الدين وجحودهم للحق ، فلا ينبغهم حجة ، ولا يقطع إنكارهم آية ، فلو أتيتهم بكل آية ما تبعوا قبلتك لعنادهم وجحودهم ، وما أنت بتابع قبلتهم ، لانك على بينة من ربك ، ويمكن أن يكون قوله : وما أنت نهيا في صورة خبر ، وما بعضهم بتابع قبلة بعض ، وهم اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدس أينما كانوا ، والنصارى يستقبلون المشرق أينما كانوا ، فلا هذا البعض يقبل قبلة ذاك البعض ، ولا ذاك يقبل قبلة هذا اتباعا للهوى.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
