ويشهد الرسول عليهم (١).
قوله تعالى : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) ، المراد بقوله لنعلم : اما علم الرسل والانبياء مثلا ، لان العظماء يتكلمون عنهم وعن اتباعهم ، كقول الأمير ، قتلنا فلانا وسجنا فلانا ، وإنما قتله وسجنه اتباعه لأنفسه ، واما العلم العيني الفعلي منه تعالى الحاصل مع الخلقة والايجاد ، دون العلم قبل الايجاد.
والانقلاب على العقبين كناية عن الاعراض ، فان الانسان ـ وهو منتصب على عقبيه ـ اذا انقلب من جهة الى جهة ، انقلب على عقبيه ، فجعل كناية عن الاعراض نظير قوله : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) (الأنفال / ١٦) ، وظاهر الآية انه دفع لما يختلج في صدور المؤمنين : من تغيير القبلة ونسخها ، ومن جهة الصلوت التي صلوها الى القبلة ، ما شأنها؟
ويظهر من ذلك ان المراد بالقبلة التي كان رسول الله عليها ، هو بيت المقدس الكعبة ، فلا دليل على جعل بيت المقدس قبلة مرتين ، وجعل الكعبة قبلة مرتين ، اذ لو كان المراد من القبلة في الآية الكعبة كان لازم ذلك ما ذكر.
وبالجملة كان من المترقب ان يختلج في صدور المؤمنين : أولا ، انه لما كان من المقدر ان يستقر القبلة بالآخرة على الكعبة فما هو السبب ، أولا : في جعل بيت المقدس قبلة؟ فبيّن سبحانه ان هذه الاحكام والتشريعات ليست إلا لأجل مصالح تعود الى تربية الناس وتكميلهم ، وتمحيص المؤمنين من غيرهم ، وتمييز المطيعين من العاصين ، والمنقادين من المتمردين ، والسبب الداعي الى جعل القبلة السابقة في حقهم أيضا هذا السبب بعينه ، فالمراد بقوله الا لنعلم من بتيع الرسول ، الا لنميز من يتبعك ، والعدول من لفظ الخطاب الى
__________________
(١) البقرة ١٤٢ ـ ١٥٢ : بحث من الاشكالات والرد عليها حول الشهادة على الاعمال (لتكونوا شهداء على الناس) الامة الوسط.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
