وجه الكلام مع أهل الكتاب ، وإنما قال أهل الكتاب هذه الكلمة أعني قولهم : اتخذ الله ولدا أول ما قالوها تشريفا لأنبيائهم كما قالوا : نحن أبناء الله وأحبائه ثم تلبست بلباس الجد والحقيقة فرد الله سبحانه عليهم في هاتين الآيتين فأضرب عن قولهم بقوله : (بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ) ، الخ ؛ ويشتمل على برهانين ينفي كل منهما الولادة وتحقق الولد منه سبحانه ، فإن اتخاذ الولد هو أن يجزى موجود طبيعي بعض أجزاء وجوده ، ويفصله عن نفسه فيصيّره بتربية تدريجية فردا من نوعه مماثلا لنفسه ، وهو سبحانه منزه عن المثل ، بل كل شيء مما في السموات والأرض مملوك له ، قائم الذات به ، قانت ذليل عنده ذلة وجودية ، فكيف يكون شيء من الأشياء ولدا له مماثلا نوعيا بالنسبة إليه؟ وهو سبحانه بديع السموات والأرض ، إنما يخلق ما يخلق على غير مثال سابق ، فلا يشبه شيء من خلقه خلقا سابقا ، ولا يشبه فعله فعل غيره في التقليد والتشبيه ولا في التدريج ، والتوصل بالأسباب اذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون من غير مثال سابق ولا تدريج ، فكيف يمكن أن ينسب إليه اتخاذ الولد؟ وتحققه يحتاج الى تربية وتدريج ، فقوله : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كل له قانتون برهان تام ، وقوله : (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) برهان آخر تام ، هذا. ويستفاد من الآيتين :
اولا : شمول حكم العبادة لجميع المخلوقات مما في السموات والأرض.
وثانيا : ان فعله تعالى غير تدريجي ، ويستدرج من هنا ، ان كل موجود تدريجي فله وجه غير تدريجي ، به يصدر عنه تعالى كما قال تعالى : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس / ٨٢) ، وقال تعالى : (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (القمر / ٥٠) ، وتفصيل القول في هذه الحقيقة القرآنية ، سيأتي إنشاء الله في ذيل قوله : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً) (يس / ٨٢) ، فانتظر.
قوله تعالى : (سُبْحانَهُ) مصدر بمعنى التسبيح وهو لا يستعمل إلّا مضافا وهو مفعول
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
