أنّ القرآن أساسا لا ظاهر له ، ولا يمكن الاستدلال به ، نظير الوجه الأوّل ، إلّا أنّ هذا الوجه ـ مع مخالفته للوجدان ـ ينافي إعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته ؛ إذ لو كان هذا الكتاب الكريم غير قابل لفهم ودرك الجميع ، لما كان ثمّة وجه لتحدّيه وإعجازه ، ومن الواضح أنّ الّذي ذكرناه لا ينافي القول بوجود المراتب المختلفة في فهم المعاني العالية للآيات الشريفة ، و «إنّ للقرآن بطنا ، وللبطن بطن ، وله ظهر ، وللظهر ظهر ...» (١) وفي رواية اخرى : عن ابن عباس أنّه قال : جلّ ما تعلّمت من التفسير من علي بن أبي طالب عليهالسلام أنّ القرآن انزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلّا وله ظهر وبطن ، وأنّ عليّا علم الظاهر والباطن (٢).
وقال الحسين بن علي عليهماالسلام : «كتاب الله عزوجل على أربعة أشياء : على العبارة ، والإشارة ، واللطائف ، والحقائق ؛ فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء» (٣).
نعم ، ما ورد في جملة من الروايات ـ خطابا لأمثال قتادة وأبي حنيفة ـ من قولهم عليهمالسلام : «إنّما يعرف القرآن ...» (٤) ، بمعنى معرفة تمام القرآن ؛ من محكمه ومتشابهه ، ومجمله ومبيّنه ، وناسخه و .. ؛ إذ لا شكّ أنّ فهم ودرك مثل ذلك منحصر بمقام العصمة والطهارة ، ونهي الإمام عليهالسلام ناظر إلى مثل هذا ، ومخاطبا لمن يفتي أو يفسّر الكتاب الكريم من دون أن يستمدّ من بيت الوحي فهم متشابهاته ومجملاته في بيان الأحكام ، بل يستعين بالاستحسانات والقياس للوصول إلى
__________________
(١) المحاسن : ٢ / ٧ الحديث ١٠٧٦ ، بحار الأنوار : ٨٩ / ٩١ الحديث ٣٧ و ٩٥ الحديث ٤٨ ، وسائل الشيعة : ٢٧ / ١٩٢ الحديث ٣٣٥٧٢.
(٢) تفسير البرهان (المقدّمة) : ٤ ـ ٥.
(٣) جامع الأخبار : ٤٨.
(٤) مرّت الإشارة إليه آنفا.
