(مَا رَأَيتُ أَحَداً يُفَرْفِرُ الدُّنيَا فَرْفَرَةَ هَذَا الأَعرَجِ)١ أَى يُمَزِّقُهَا بالذَّمِ والوَقِيعَةِ فيها، كقَولِهِم: هو يُمَزِّقُ عِرضَهُ، وأَصلهُ من فَرْفَرَ الذِّئبُ الشَّاةَ إذا مَزَّقَهَا بأَنيَابِهِ عَضّاً ونَهْشاً. وأَرَادَ بالأَعرجِ أَبا حَازم - بالحَاءِ المُهملَةِ - سلمةَ بنِ دِينَار التَّمَّار المَدَنِىّ، أَحد عُبَّاد المَدِينَةِ، وكانَ يَقصُّ فى مَسجِدِهَا. قَالَ مُصعَبُ بنُ عبدِ اللّٰهِ الزُّبيرىُّ: أَصلُهُ فَارِسىٌّ وكان أَشقَرَ أَحوَلَ أَعرَجَ أَفزَرَ٢أَى أَحْدبَ مُنكَسِر الظَّهرِ. قَالَ ابنُ خُزَيمَةَ:
لم يكن فى زَمَانِهِ مِثلُهُ٣.
المثل
(الفِرَارُ بِقِرَابٍ أَكيَسُ)٤ أَصلُهُ أَنَّ جَابِر عَمرو المَازِنىّ رَأَى و هو يَسِيرُ فى طَرِيقٍ أَثَر رَجُلَينِ وكانَ قَائِفاً، فَقَالَ:
أَرَى أَثَرَ رَجُلَيْنِ شَدِيدٍ كَلَبهما عَزِيزٍ سَلَبهما و الفِرَار بِقِرَاب أَكيس، ثمَّ مَضَى.
والقِرابُ، بالكَسرِ: شِبْهُ الجِرَاب يَضع فيه الرَّاكِبُ سَيْفَهُ وسَوْطَهُ وعَصَاهُ.
يَضربُ فى تَعْجِيلِ الفِرَارِ عمَّن لا تُطَاقُ صَوْلَتهُ.
ومِثلُهُ من أَمثَالِ المُوَلّدِين: (الفِرَارُ مِمَّا لا يُطَاقُ مِن سُنَنِ المُرْسَلِينَ)٥ و هو تِلْمِيحٌ إلى قَوْلِ مُوسَى عليه السلام: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّٰا خِفْتُكُمْ٦.
(إِنَّ الجَوَادَ عَيْنُهُ فرَارُهُ)٧ بالكَسْرِ و قد يفتحُ، أَى الفَرَس الجَوَاد عَلامَة الجَوْدة فيه ظَاهرةٌ فلا يَحتَاج إلى أَن تَفِرَّهُ أَى تَختَبرهُ بالنَّظرِ إلى سِنِّهِ..
ويُرْوَى: (إنَّ الخَبِيثَ عَيْنُهُ فرَارُهُ)٨أَى الخُبثُ يُعرَفُ فى عَيْنِهِ كما يُعْرَفُ سِنّ الدَّابَّةِ إذا فَرَّت. يضربُ فى شَهَادَةِ الطَّرفِ بالضَّميرِ، ولِمَن يَدلّ ظَاهِرُهُ على بَاطِنِهِ.
________________________________________
(١) الفائق ١١٣:٣، غريب الحديث لابن الجوزى ١٨٤:٢، النّهاية ٤٣٧:٣،.
(٢) سير أعلام النّبلاء ١٠١:٦.
(٣) صحيح ابن خزيمة ١٩٠٢/١٩٩:٣.
(٤) مجمع الأمثال ٢٧٥٥/٧٦:٢.
(٥) التّمثيل و المحاضرة: ٢٤.
(٦) الشّعراء: ٢١.
(٧) مجمع الأمثال ٥/٩:١.
(٨) المستقصى ١٣٥٦/٣١٥:١.
![الطّراز الأوّل [ ج ٩ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4673_Taraz-Awwal-part09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
