وفى الثّانية الى جعل الاداة آلات لاحداث الخصوصيّات في احضار تلك المعانى وهذه الخصوصيّات عبارة عن وجوه استعمال الأسماء ومن المعلوم انّ وجه الاستعمال وخصوصيّة امر يتحقّق بنفس الاستعمال لا انّه يكشف عنه الاستعمال كشفا حكائيّا نظير حكاية استعمال الأسماء عن معانيها فانّ لمعانى الأسماء سبقا رتبيّا على استعمال الفاظها اذ العلم تابع للمعلوم بمعنى اصالة الموازنة في المطابقة بخلاف الأداة فانّ لمعانيها تاخّرا رتبيّا عنها تاخّر الحادث عن آلة احداثه كما اوضحناه وسيزداد اتّضاحا إن شاء الله الله تعالى فالوضع والموضوع له في هذا القسم حرفيّان والموضوع حرف او أداة مثله ولما كانت جهات الاستعمال وخصوصيّاته تنشعب الى شعب كثيرة مختلفة والأداة الموضوعة لها امورا متباينة فنجمع الكلّ تحت قسمين تسهيلا للضّبط احدهما ما يكون الأداة الموضوعة من غير سنخ اللّفظ ثانيهما ما يكون من سنخ اللّفظ وهو المسمّى بالحروف والاوّل امّا هيئات مخصوصة كهيئات الأفعال او غيرها من هيئات ساير المشتقّات او الإعراب وما ينوب منابه او تقديم وتاخير وامثال ذلك فنفرد قسما لهيئات الأفعال وقسما آخر للحروف ونذكر البقيّة في ضمن القسمين استطرادا بحسب ما يقتضيه المقام.
فنقول القسم الأوّل ما يعيّن جهة الإحضار من حيث الحركة من القوّة الى الفعل والانتقال من العدم الى الوجود وهى هيئات الافعال فانّها وضعت لتعيين جهة استعمال المادة واحضار معناها من حيث التّحقق والحدوث فهى مشتملة على دالّين ومدلولين نسبة احد الدّالين الى الآخر كنسبة احد المدلولين الى الآخر فكما انّ الهيئة عرض للمادّة ومفهومها ايضا وهو التّحقق والحدوث عرض لمفهوم المادّة الّذى هو معنى اسميّ فمادّته تنبئ عن المسمّى والهيئة تنبئ عن وجه احضاره وهو حركته من القوّة الى الفعل ففعليّة الفعل انّما هى باعتبار الهيئة لا المادّة اذ المادّة جزء مشترك بينه وبين الاسم ولذا تعرّض عليه السّلم في مقام التّقسيم الى جهته المميّزة لا المشتركة وقال الفعل ما انباء عن حركة المسمّى وكشف الحجاب عن ذلك انّ الضّرب مثلا موضوع بالوضع الاسميّ لنفس طبيعة الحدث المعروف فذكر هذا اللّفظ يوجب حضور تلك الطّبيعة عند السّامع الّا ان احضارها بهذا اللّفظ الّذى هو عبارة عن استعماله فيها قد يكون لان يحكم عليه بشيء كقولك ضرب زيد شديد فعلامة انّك اوقعته في الكلام هذا الموقع اى موقع المسند اليه وجعلت استعماله على هذا الوجه وبهذه الخصوصيّة ابتدائك به في الكلام مرفوعا فهذه خصوصيّة في الاستعمال تنشأ بعد الاستعمال لا معنى يراد منه ويقع فيه الاستعمال فكون الضّرب مسندا اليه ليس معنى بازاء لفظ الضّرب ولا بازاء تقديمه في الذّكر يقصد منهما ويقع مستعملا فيه بل هو خصوصيّة في الاستعمال توجد فيه بالابتداء به مرفوعا وقد يكون لان يحكم به على شيء اى ينسب الى ذات ومن المعلوم ان لا نسبة بين الحدث والذّات الّا صدوره منها او قيامه بها وان شئت فعبّر بتحقّقه بها وهو المراد من الحركة في الرّواية اى الخروج من القوّة الى الفعل والانتقال من العدم الى الوجود والمراد من هذا الوجود والعدم هما الرّابطيّان اى الكون
