الألفاظ الّتى ظنّ ترادفها ممّا لا يحصى كثرة فانّ المتامّل الخبير لا يخفى عليه انّ في كلّ جهة وخصوصيّة ليست في الآخر من دون فرق بين ما كان من الأسماء او الحروف او الهيئات فانّ استقراء الموارد مع الخبرة وامعان التّدبّر والتّامّل يوجب العلم اليقينىّ بعدم ترادف بين لفظين اصلا وانّ اعتقاد التّرادف ناش عن الجهة الّتى اشرنا اليها وامّا الاشتراك فقد مثّلوا له بالقرء والجون وقد مرّ حالهما في صدر الكتاب من انّ كلّ متقابلين لا بدّ بينهما من جامع رابط بينهما به يتقابلان والّا لم يتحقّق التّقابل اذ المتقابلان عبارة عن طرفى امر واحد هو الجامع بينهما وهذا الجامع قد يوضع بازائه لفظ وقد لا يوضع فيعبّر عنه بذكر طرفيه كما يقال حال البدن من حيث الصحّة والمرض وحال اللّفظ من حيث الأعراب والبناء او حاله من حيث الحقيقة والمجاز فانّه عبارة عن حالة وحدانيّة تتحيّث باحدى الحيثيّتين فالقرء عبارة عن حالة المرأة من حيث الحيض والطّهر والحيثيّتان لا تعرضان المحلّ الّا بعروض ذلك الجامع ولا يرتفعان عنه الّا بارتفاعه فالرّجل لا حائض ولا طاهر بهذا المعنى كما انّ الشّجر والحجر ايضا كذلك وكذا الجون عبارة عن حال اللّون من حيث السّواد والبياض وكذا عسعس اللّيل عبارة عن حال اللّيل من حيث الإقبال والأدبار لا انّه مشترك بينهما ضرورة انّه لا يقال لكلّ مقبل عسعس ولا لكلّ مدبّر ويقال للذّئب عسعس اذا طاف في اللّيل وذلك لتردّده فيه فهو عبارة عن حال الذّئب من حيث الذّهاب والمجيء وهكذا الحال في جميع ما ظنّ انّه من الأضداد وهذا الظّنّ ناش من عدم تصوّر الجامع بينهما لخفائه وقد مرّ لذلك امثلة كثيرة قد شرحنا الحال فيها في مطاوى كلماتنا السّابقة كالأصل والفرع وغيره ممّا سبق ونبّهنا على خلافه في غير واحد من موادّ الألفاظ الّتى توهّموا كونها من الأضداد في ساير تاليفاتنا ومثّلوا له ايضا بالعين في الجارحة والجارية واشتهر احصاء معانيه الى سبعين لكنّه توهّم محض لم يوضع الّا للجامع وهو ما كان له تعيّن والأمور المذكورة موارد انطباق لهذا العنوان الجامع ولذا يطلق على كلّ موجود باعتبار بروزه من العدم وظهوره بالوجود والتّحقّق كما يقال له وجود في الاعيان وقد مرّ لذلك ايضا بيانات في امثلة متكاثرة كلفظ الأصل والحكم وغيرهما ممّا عدوّا له معانى متعدّدة متباينة وشرحنا الحال في الجميع وبيّنا انّ وضع اللّفظ للجامع والاختلاف انّما هو في موارد الاستعمال ومواقع الانطباق وهكذا الحال في ما عداها من ساير الألفاظ الّتى لا تحصى كثرة ولا يمكن التّعرّض لجميعها الّا بتسويد صحائف وكتب وصرف عمر طويل واذا فرض مورد من الموارد خفى علينا الجامع فيه نعلم بمعرفة الحال في ساير الموارد بحكم الاستقراء انّ حال ذلك المورد ايضا كذلك ولا يضرّ في هذه الدّعوى عدم الإحاطة التّامّة التّفصيليّة بذلك الجامع وجميع حدوده كما لم يضرّ عدم الإحاطة التّامّة التّفصيليّة بجهة التّغاير في مورد توهّم التّرادف لما مرّ انّ الإحاطة بهذه الكيفيّة غير ميسور لأحد حتّى في لفظ واحد الّا لعلّام الغيوب ولأنّ المدّعى ليس ذلك بل الغرض دعوى العلم ببطلان الاشتراك والتّرادف اجمالا [والعلم بذلك اجمالا] لا يتوقّف
