الى الاجتهاد والنّظر فان تصفح كلّ شخص وتتبّعه فيما لا سبيل فيه الى الحسّ بمقتضى مبلغ نظره فمرجع قول من يستند في اثبات الاشتراك والتّرادف الى الاستقراء انّه وجد الفاظا في اللّغة كالأسد والسّبع واللّيث ونحوها وكالإنسان والبشر تستعمل في مورد واحد لا يجد بين معانيها تغايرا بحسب نظره فيظنّ او يقطع بانّها مترادفة واخرى كالقرء والجون والعين وامثالها يستعمل كلّ واحد منها في موارد مختلفة متباينة لا يجد بينها جامعا في نظره فيظنّ او يقطع بانّها مشتركة وهذا كما ترى ليس الّا اجتهادا في امر لا طريق اليه الّا الاجتهاد والنّظر والواقع خلاف ذلك بحكم الاستقراء بيان ذلك انّ الأسماء موضوعة بازاء معانيها باعتبار جهة تنطبق عليها فقد تنطبق تلك الجهة الّتى هى الموضوع له حقيقة على موردين او موارد مختلفة في نفسها فيطلق اللّفظ على هذه الموارد المتباينة باعتبار تلك الجهة الجامعة المنطبقة فيظنّ غير الخبير من جهة الغفلة عن تلك الجهة الوحدانيّة لخفائها ومشاهدة المباينة في نفس الموارد الّتى وقع الاستعمال فيها انّ اللّفظ مشترك بين هذه الموارد وقد تنطبق جهتان مختلفتان وضع باعتبار كلّ منهما لفظ مخصوص على مورد واحد فيظنّ غير الخبير من اجل خفاء هاتين الجهتين او التميّز بينهما انّ اللّفظين مراد فان ولنوضح الحال في امثلة القوم الّتى استدلّوا بها على المقامين حتّى يتّضح الحال فيما عداها من الألفاظ اذ لا يمكن احصائها فنقول انّهم مثّلوا للتّرادف بالإنسان والبشر وبالأسد واللّيث والسّبع لكن قد ذكرنا في ما سبق انّ الإنسان مقابل الجنّ والبشر مقابل الملك ولذا قال تعالى (ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) ولو قال ما هذا انسانا ان هو الّا ملك كان ركيكا ونرى بالعيان انّه لا يحسن ان يقال ابن الإنسان او أب الانسان او ولد الإنسان ويحسن ان يقال ابن البشر او أب البشر او ولد البشر نعم يحسن ان تقول في مقام المدح هو ابن انسان ولو قلت في هذا المقام هو ابن بشر لم يفد ذلك المدح ولو كان بينهما ترادف لم يكن بينهما فرق في شيء من هذه المقامات فيكشف هذا كشفا قطعيّا عن انّ في معنى كلّ منهما خصوصيّة ليست في الآخر بها يتفارقان وعدم المعرفة بتلك الخصوصيّة تفصيلا لا ينافى العلم ببطلان التّرادف ووجود الفرق اجمالا وقد بيّنا فيما سبق انّ الإحاطة التّفصيليّة بالخصوصيّات الماخوذة في معانى الألفاظ الّتى اودعها الله في جبلّة الإنسان غير ممكنة الّا لعالم الغيب والخفيّات وامّا في المثال الثّانى فالأسد انّما يطلق على الحيوان المخصوص من جهة تهوّره في غضبه واقتحامه ما لا يبالى يقال اسد فلان اذا غضب وسفه واجترأ واللّيث انّما يطلق عليه من جهة شدّته وقوّته فانّ اللّيثة من الابل الشّديدة والليث كمنبر الشّديد القوىّ وامّا السّبع فانّما يطلق عليه لافتراسه ولذا يطلق على كلّ مفترس وكذا الهزبر والغضنفر والضّرغام فانّ كلّ واحد يطلق باعتبار جهة مخصوصة بها يباين الآخر كما مر في اطلاق الجيد والعنق والرّقبة للعضو المخصوص كاطلاق العلم والفهم والإدراك والفقه والقطع والجزم واليقين والفطنة والشّعور وما يقرب من ذلك وهكذا قياس ساير
