الوسائط علل واسباب للقتل باعتبار آخر والقتل فعل الشّخص باعتبار وفعل السّيف ايضا باعتبار آخر وكذا ما نحن فيه فانّ تفهيم المقصود وإن كان فعلا صادرا عن الإرادة لكن لا يصدر عنه بمجرّد الإرادة ابتداء بل بواسطة صدور الألفاظ منه لكونها آلات للتّفهيم فارادة المتكلّم سبب للتّفهيم والتّفهيم فعل المتكلّم باعتبار كما انّ الألفاظ ايضا سبب له والتّفهيم فعل نفس الألفاظ باعتبار آخر والفرق بينه وبين مثال القتل انّ الآليّة والسّببيّة في الثّانى ذاتيّة وفى الألفاظ جعليّة وضعيّة فتصرّف الواضع انّما يتعلّق بهذه المرحلة اى جعل الألفاظ آلات للتّفهيم كما انّ كون السّيف آلة للقتل مسبّب من صنع صانعه فكما انّ السّيف ولو بعد جعل الصّائغ ايّاه آلة للقتل لا يؤثّر فيه الّا بعد استعمال مريد القتل ايّاه في ما صيغ لأجله وهو القتل فكذا الألفاظ بعد وضع الواضع وجعلها آلات لتفهيم المقاصد لا تؤثر التّفهيم والدّلالة الّا بعد استعمال مريد التّفهيم ايّاها في هذه الجهة وهذا معنى تبعيّة الدّلالة للإرادة وبهذا البيان ظهر لك امور :
احدها انّ الاستعمال ليس مجرّد ذكر اللّفظ ولو للأخطار بل هو عبارة عن اعماله في الجهة الّتى وضع وعيّن لها وهو جعل ذكره آلة للتّفهيم وافادة المقصود فذكره في غير هذا المقام لا حقيقة ولا مجاز اذ الحقيقة والمجاز يطرءان على اللّفظ بعد الاستعمال فحيث لا استعمال ولا حقيقة ولا مجاز.
ثانيها استقامة كون دلالة الألفاظ معلولة للوضع وعدم منافاة ذلك لكونها معلولة للارادة وذلك لما عرفت انّ الوسائط في الأفعال التّوليديّة كلّ سابق منها سبب للّاحق وإن كانت الإرادة علّة العلل فارادة المتكلّم سبب لإيجاده الألفاظ وهو السّبب لسماع المخاطب [وهو سبب لعلمه بصدور الالفاظ من المتكلّم] وهو سبب لعلمه بمقصوده فالمتكلّم بارادته يوجد الألفاظ وبايجادها يسمعها المخاطب وبإسماعها ايّاه يعلمه بصدور الألفاظ منه وباعلامه ذلك يفهّمه مقصوده الّذى كان مضمرا في نفسه فلك ان تقول انّ الألفاظ سبب للتّفهيم والدّلالة كما كنت تقول السّيف سبب للقتل والنّار سبب للإحراق ولا ريب انّ هذه السّببيّة في الألفاظ لم تحدث الّا بالوضع فهذه العلاقة والسّببية ليست الّا مجعولة صرفة لا ذاتيّة ولكن وجود الأثر في الخارج اذا قيس الى الإرادة الّتى هى علّة العلل وهى مؤثّر الوجود حقيقة والبقيّة انّما تستند اليها كانت العلاقة الحقيقيّة ذاتيّة محضة غير مجعولة ويقع وضع الواضع بالنّسبة اليها في مرتبة الشّروط والآلات لها.
ثالثها انّ ما اشتمل عليه كتب الأواخر من انّ الألفاظ هل هى موضوعة للمعانى من حيث هى او موضوعة لها من حيث كونها مرادة للافظها ممّا لا معنى له لما عرفت انّ ما وضع له اللّفظ اى الّذى اختصّ به اللّفظ ليس الّا نفس الأشياء من حيث هى وانّما الجهة الّتى حصل فيها الاختصاص هى تفهيمها عند الإرادة واين هذا من كون الموضوع له اللّفظ هو الشّيء من حيث كونه مرادا مع انّ كون المعانى المفردة مرادة ممّا لا معنى له اذ الإرادة تتعلّق بالفعل والإيجاد لا بالأمور والأعيان الخارجيّة كزيد وعمرو والشّجر والحجر وامثال ذلك فكون زيد مرادا ممّا لا تعقّل له الّا ان يراد به كونه متصوّرا فيرجع مفاد العنوان المذكور الى انّ الألفاظ موضوعة للأمور
