على مراد المتكلّم ان ثبت بين مراد المتكلّم والواقع علاقة اخرى بحيث يعلم عدم تخلّفه عن الواقع او يطمئنّ به كما لو كان المتكلّم معصوما او عادلا لا يكذب (١) والحاصل انّ هنا استلزامات ثلث يحتاج كلّ منها الى علاقة احدها استلزام خطور المعانى المفردة من الألفاظ ولا ريب انّه تابع للوضع ومعلول له وليس يخفى على ذى شعور انّه غير تابع للإرادة بل ولا للاستعمال او تلفّظ لافظ به وانّما هو تابع العلم بالوضع والثّانى استلزام العلم بصدور اللّفظ من المتكلّم العلم بالمعنى المراد وهذا هو الّذى ذكرنا انّ الدّلالة عبارة عنه ولا يتحقّق الّا بعد الاستعمال وانّه لا يتاتّى من مجرّد الوضع وانّه تابع للإرادة ومعلول لها بمعنى انّه اذا علم انّ المتكلّم عالم بوضع الألفاظ وقاصد لتفهيم ما في ضميره وانّه الدّاعى والسّبب لإيجاد هذه الألفاظ وانّه لم يحدث له غفلة او سهو او نسيان او تعمّد لنقض غرضه الّذى هو التّفهيم من الاعتماد على قرينة غير مذكورة مثلا فالكلام الصّادر منه ح يدلّ على مراده دلالة قطعيّة وامّا اذا لم يعلم علمه بوضع الألفاظ او علم خلافه او لم يعلم كونه في مقام ارادة التّفهيم بان احتمل ان يكون نائما او هازلا او سكرانا او مجنونا لا يشعران او انّه يتغنّى به ولا يريد تفهيم شيء وبالجملة لو لم يعلم كون السّبب لإيجاد الألفاظ تفهيم ما في ضميره او علم خلافه كان اللّفظ خاليا عن الدّلالة راسا لما عرفت انّ الملازمة فرع العلاقة والعلاقة بين التّصديق باللّفظ والمعنى المراد معلوليّة صدور اللّفظ لارادة اللافظ ومع الشكّ في العلّة او القطع بعدمها لا يعقل بالمعلول وامّا بعد احراز ارادة التّفهيم وكون المتكلّم في صدد ابراز ما في ضميره فالبقيّة كالغفلة والسّهو والنّسيان والاعتماد على قرينة مفقودة ونحو ذلك فاحتمالها يدفع بالأصل المتّفق عليه فيكشف ح عن المراد كشفا اصليّا اقتضائيّا وهو المسمّى بالظّهور وامّا يقينها فيوجب الانسلاخ عن الدّلالة وهو ظاهر والثّالث استلزام العلم بالمراد للعلم بالواقع وهو معلول لعلاقة اخرى بين مراد المتكلّم وبين انطباقه على الواقع ولا يتحقّق ذلك الّا بالعصمة او بالاحتفاف على القرائن او بتراكم في المخبرين مع الأمن من تباينهم على الوفاق وكون المخبر به امرا حسيّا لا نظريّا عقليّا بحيث يستحيل عادة خطأهم وكذب الجميع في مثله او بعدالة موجبة للوثوق والاطمينان ونحو ذلك فاللّفظ قبل الوضع عار عن جميع ذلك حتّى اخطار المعانى وبعده يستلزم خطور اللّفظ خطور المعنى وان لم يكن تركيب ولا استعمال وقبل التّركيب والاستعمال عار عن الدّلالة وكذا بعد التّركيب وايجاده اذا لم يكن مسبّبا عن ارادة التّفهيم فلا يتّصف بالدّلالة الّا بعد تحقّق هذه الإرادة منه بمعنى انّ تفهيم المقاصد للغير من الأفعال الاختياريّة للإنسان لا يصدر عنه الّا بالإرادة ولمّا لم يكن فعلا ابتدائيّا له لم يعقل صدوره عن ارادته بلا واسطة بل احتاج الى واسطة تكون آلة له كما هو الشّأن في جميع الأفعال الثّانوية التّوليديّة فان قتل الغير مثلا فعل اختيارى للإنسان لا يصدر الّا عن ارادته لكن بتوسّط افعال كثيرة كمدّ يده الى السّيف واخذه وسلّمه ورفعه وضربه والقتل يتحقّق منه في الخارج بعد تحقّق هذه الأفعال منه الّتى هى وسائط وآلات للوصلة اليه وعلّة القتل هى الإرادة باعتبار كما انّ تلك
__________________
(١) لا يخفى ان كون الدّلالة تابعة للإرادة ومعلولا له لا ينافى ما سبق من كون الدّلالات الثّلث وضعيّة اذ المراد هناك بالاستناد الى الوضع توقّفها عليه في قبال العقلية الّتى لا دخالة للوضع فيها اصلا.
