له الحرف امرا جزئيّا خاصّا بل هو لا بدّ ان يكون معنى عامّا كليّا ابدا اذ الإيجاد والأحداث انّما يتعلّق بالكلّى وانّما يتشخّص بعد الإيجاد اذ التّشخص يساوق الوجود فما لم يوجد لم يتشخّص [وما لم يتشخّص] لم يوجد فالخصوصيّة والجزئيّة انّما تعرض معانى الحروف باستعمالها لا انّها مأخوذة في ما وضعت لها وان شئت مزيد الوضوح فلاحظ بعض الأمثلة المتقدّمة الّتى ذكرناها لوضع الحروف مثلا السّيف لو وضع آلة للقتل اى جعل آلة لأحداثه فالموضوع له السّيف هو القتل اى هذا المفهوم الكلّى لأنّه القابل للإيجاد بالألة الموضوعة لا الجزئيّات فانّها عبارة عن وجودات القتل وايجاد الوجود امر مستحيل فلا يعقل ان يكون الموضوع له السّيف امرا جزئيّا نعم استعمال السّيف الّذى هو عبارة عن اعماله في ما وضع له واعماله فيه عبارة اخرى عن ايجاد القتل به يستلزم تشخّص القتل في الخارج اذ الموجود هو جزئىّ ابدا فالخصوصيّة في المعانى الحرفيّة تنشأ من الاستعمال لما بيّنا انّ استعمال الحرف في معناه عبارة عن ايجاد المعنى به ولما عرفت انّ المعانى الحرفيّة خصوصيّات في استعمال الأسماء واستعمال اللّفظ ايجاده لافادة المعنى واللّفظ الموجود جزئىّ وخاصّ ابدا فكذا نحو وجوده وخصوصيّته هو المعنى الحرفى فمعنى الحرف عند الاستعمال لا يعقل الّا ان يكون جزئيّا وهذا ما نسب الى قدماء العربيّة من انّ وضع الحروف وما ينوب منابها من قبيل عموم الوضع والموضوع له وانّ الاستعمال انّما هو في الجزئيّات بل اتّضح بالبيان الّذى قرّرناه انّ خصوص الموضوع له في الحروف غير معقول فضلا عن ان يكون الوضع عامّا والموضوع له خاصّا والعجب ممّن يزعم انّ المتقدّمين يرون انّ وضع الحروف كاسماء الأجناس بازاء المفاهيم الكليّة كصاحبى القوانين والفصول وغيرهما قال في القوانين وامّا على القول بكون الموضوع له فيها عامّا كالوضع كما هو مذهب قدماء اهل العربيّة فهو داخل في الكلّى فيكون مجازا بلا حقيقة لأنّ الاستعمال لم يقع الّا في الجزئيّات انتهى ويقرب منه كلمات غيره وهى كلّها ناشئة من عدم تصوّر معانى الحروف ووضعها وعدم تحصيل مقصود القدماء وتوهّم انّهم لا يميّزون بين اسماء الأجناس والحروف الّا انّ استعمال الحرف لم يقع الّا في جزئيّات ما وضع له فهى مجازات بلا حقيقة وقد عرفت فساد ذلك كلّه وسيأتى في محلّه انّ التجوّز في الحروف غير معقول فقد اتّضح بما ذكرنا انّ الوضع لا يزيد على قسمين عموم الوضع والموضوع له وخصوصهما والثّانى لا يتعقّل في الحروف كما حقّقه المتقدّمون وامّا الثّانى فلأنّ المتاخّرين حيث لم يصلوا الى حقيقة الأمر ولم يحيطوا بما به الميز والفرق وشاهدوا انّ وضع الحروف ليس من قبيل وضع اسماء الأجناس ولا من قبيل وضع اعلام الأشخاص فلم يجدوا مفرّا الّا القول بانّ الوضع في الحروف عام لعموم آلة الملاحظة والموضوع له خاصّ لكون الوضع بازاء خصوصيّات ذلك المعنى العامّ ومقتضاه كون الفرق بين الاسم والحرف هو ذلك وفساد ذلك مضافا الى ما سبق من وجوه عديدة احدها انّ كون شيء اسما وكون آخر فعلا او حرفا ليس مجرّد الاعتبار محض التّسمية بل هو تابع لموازين واقعيّة
