وإن حُمِل على الجمیع ، أمکن أن یکون ذلک بعد تفرقهم وتبدّد شملهم وانفساد نظامهم ؛ لأنّ عند ذلک أذن الله فی الرجوع وأن لا یخاطروا
بنفوسهم .
وقوله : (وَلِیَعْلَمَ الْمُؤْمِنِینَ لیس معناه : أن الله یعلم عند ذلک ما لم یکن عالماً به ؛ لأنّه تعالى عالم بالأشیاء قبل کونها، وإنما معناه : ولیتمیز المؤمنون من المنافقین ، إلا أنّه أجرى على المعلوم لفظ العلم (١) مجازاً على المظاهرة فی المجازاة بالقول على ما یظهر من الفعل من جهة أنه لیس یعاملهم بما فی معلومه أنه یکون منهم إن بقوا ، بل یعاملهم معاملة مَنْ کأنه لا یعلم ما یکون منهم حتّى یظهر ؛ لیکونوا على غایة الثقة بأن الله إنما یجازی بحسب ما وقع من الإحسان أو الإساءة .
فإن قیل : هل یجوز أن یقول القائل : المعاصی تقع بإذن الله ، کما قال : مَا أَصَبَکُمْ من إیقاع المشرکین بکم بإذن الله ؟
قلنا : لا یجوز ذلک ؛ لأنّ الله تعالى إنّما خاطبهم بذلک على وجـه التسلیة للمؤمنین ، فدل ذلک على أنّ الإذن المراد به التمکین لیتمیزوا بظهور الطاعة منهم، ولیس کذلک قولهم : المعاصی بإذن الله ؛ لأنه لما عری من تلک القرینة صار بمعنى إباحة الله ، والله تعالى لا یبیح قبیحة ؛ ولأنّ إباحتها تخرجها من معنى المعصیة .
المعاصی
؛ لأنها
والفاء إنّما دخلت فی قوله : (فَبِإِذْنِ اللَّهِ ؛ لأن خبر "ما" التی بمعنى "الذی" یشبه جواب الجزاء ؛ لأنه معلّق بالفعل فی الصلة کتعلیقه
(١) فی "هـ" و"ؤ" : العالم . وما أثبتناه من "ع" والنسخة المختصرة .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٧ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4657_Tebyan-Tafsir-Quran-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
