فإن قیل : کیف أطلقت الحکایة عنهم بأنّهم قالوا ذلک ، وإنما قالوه
على جهة الإلزام دون الاعتقاد ؟
قلنا : لأنّه الزام باطل من حیثُ لا یوجبه الأصل الذی ألزموا علیه ؛ لأنه إنما قال تعالى : مَّن ذَا الَّذِی یُقْرضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا على وجه الاستدعاء إلى الطاعة ، وحقیقته أنّ منزلة ما ینفقون فی وجوه
التلطف
البر کمنزلة القرض الذی یرجع إلیکم ویضاعف به الأجر لکم ، مع أنهم أخرجوا ذلک مخرج الإخبار عن الاعتقاد .
وفی الآیة دلالة على أنّ الرضا بقبیح الفعل یجری مجراه فی عـظم الجُرم ؛ لأنّ الیهود الذین وصفوا بقتل الأنبیاء لم یتولوا ذلک
وإنّما ذُمّوا به ؛ لأنّهم بمنزلة مَنْ تولاه فی عِظَم الإثم. وقوله : سَنَکْتُبُ مَا قَالُوا قیل فی معناه قولان :
فی الحقیقة ،
أحدهما : إنّه یکتب فی صحائف أعمالهم ؛ لأنّه أظهر فی الحجة علیهم وأحرى أن یستحیوا من قراءة ما أثبت من فضائحهم، على قول
الجبائی .
الثانی : قال البلخی : سَیَحْفَظ ما قالوا حتّى یُجازَوا به ، أی : هو
بمنزلة ما قد کتب فی أنه لا یضیع منه شیء (١) .
والأوّل أظهر .
وقوله : (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِیقِ :
یعنی : المُحْرق ، والفائدة فیه أن یُعْلَم أنّه عذاب بالنار التی تُحرق وهی الملتهبة ؛ لأن ما لم یلتهب لا یُسمّى حریقاً، وقد یکون العذاب بغیر
(١) انظر القولین فی : التهذیب فی التفسیر ٢ : ١٤٠٩
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٧ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4657_Tebyan-Tafsir-Quran-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
