وأما الْفُلْکِ الَّتِی تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا یَنفَعُ النَّاسَ) فتدل على
مُنْعِم دَبَّر ذلک لمنافع خلقه، لیس من جنس البشر ولا من قبیل الأجسام ؛ لأن الأجسام یتعذر علیها فعل ذلک .
وأما الماء الذی ینزل من السماء فیدلّ على مُنْعِم به یقدر على
التصریف فیما یشاء من الأمور، لا یعجزه شیء . وأما إحیاء الأرض بعد موتها ، فیدلّ على الإنعام بما یحتاج إلیه
العباد ، وإحیاؤها : إخراج النبات منها وأنواع الثمار . وَبَثَّ فِیهَا مِن کُلِّ دَابَّةٍ دال على أن لها صانعاً مخالفاً لها مُنْعِماً
بأنواع النعم .
وَتَصْرِیفِ الرِّیح یدلّ على الاقتدار على ما لا یتأتى من العباد ولو حرصوا کل الحرص ، واجتهدوا کلّ الاجتهاد ؛ لأنه إذا هبت جنوباً - مثلاً - واجتمع جمیع الخلق على أن یقلبوها شمالاً أو صَبَاً أو دَبُوراً لَمَا
قدروا على ذلک ، ولا تمکنوا على ردّه من الجهة التی یجیء منها . وأمّا السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ فیدل على أنه یمسکه القدیم، الذی لا شبه له ولا نظیر ؛ لأنه لا یقدر على تسکین الأجسام النقال بغیر علاقة ولا دعامة إلا الله تعالى ، وکذلک لا یقدر على تسکین الأرض کذلک إلا القادر تدل على صانع غیر مصنوع، قدیم لا یشبهه شیء، قادر
لنفسه ، فهی لا یعجزه شیء ، عالم لا یخفى علیه شیء ، حی لا یموت ، واحد لیس لا کمثله شیء ، سمیع بصیر ، یعزب عنه مثقال ذرة فی الأرض ولا فی
السماء ؛ لأنّ صفات النقص لا تجوز علیه تعالى .
ویدل على أنه مُنْعِم بما لا یقدر غیره على الإنعام بمثله ، وأنه یستحق
بذلک العبادة دون غیره .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4648_Tebyan-Tafsir-Quran-part04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
