حاشية : تساءلنا مطوّلا عن معنى قوله في مخاطبة السماء والأرض : (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) (فصّلت : ١١)؟ ربما كان من معانيه ، والله أعلم أن المولى أعطى الحرّيّة للسماء وللأرض بأن تختارا الطريقة التي بها سينجز خلقهما : بطريقة الأسباب والمسبّبات ، أو بدون أسباب أي بكلمة «كن» ، فاختارت السماوات والأرض طريقة الأسباب والمسبّبات قائلة «أتينا طائعين».
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن المولى يخاطب السماوات والأرض وكأنهما مخلوقات عاقلة أو أحياء ، علما أن كلّ مخلوق من مخلوقات الله هو في المنظار القرآني يسبّح بحمد الله ويسجد لله : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الإسراء : ٤٤) ، فهو إذن من الوجهة القرآنيّة متمتّع بقوى عاقلة لم نستطع بعد أن نفهمها وربما كشفها العلم لاحقا. ولئن قصر أكثر علماء الأحياء اليوم معنى الحياة بكلّ كائن يولد وينمو ويتكاثر ، فهذا التعريف هو ناقص بنظرنا. إلا أن بعض العلماء تغيّرت نظرته هذه ، فقد جاء في مجلّة «العلم والحياة» المطبوعة باللغة الفرنسيّة في العدد ٨٥٣ ، تشرين الأول ١٩٨٨ ، مقال عنوانه «هل الأرض كائن حيّ» لباحث إنكليزيّ اسمه «جيمس لوقلوك» (JamesLovelock) ، وفيه يقول ما خلاصته بأن الأرض وما تتألف منه من صخور وطبقات هي في الحقيقة كائن حيّ له شخصيّته المميّزة. وقد أثار المقال ضجّة علميّة بين علماء الأحياء والجيولوجيا والمناخ مما دعا إلى إجراء مناظرة علميّة بين معارض ومؤيّد في مدينة «سان دييغو» الأميركية بدعوة من الجمعيّة الجيوفيزيائيّة المهتمّة بالعلوم الأرضيّة ، كما أن عالم البحار المعروف «إيف كوستو» وهو الذي عايش البحار طوال سنين حياته ، كتب ما معناه أن البحار عدا المخلوقات الحيّة التي تعيش فيها ، هي في الحقيقة كائن حيّ يجب علينا احترامه حين نتعامل معه.
