فالمولى زوّد البعوضة من خلال ثروتها الوارثيّة بما مكّنها من مقاومة مبيدات الحشرات. ولقد تبيّن لعلماء الحشرات والأمراض أيضا ، ظهور حمّيات أكثر فتكا وضررا من حمّى الملاريا سبّبتها أنواع أخرى من البعوض كانت بعوضة الملاريا متسلّطة عليها ومانعة لأذاها من أن يصل إلى الإنسان. ولقد تبيّن أيضا للأطبّاء أن الطفيليّة المسبّبة للملاريا التي تنقلها البعوضة من دمها إلى دم الإنسان اكتسبت أيضا المناعة ضدّ أكثر الأدوية التي كانت تفتك بها. ومنذ سنوات تبيّن للعلماء أن مكافحة الملاريا الصحيحة هي بالتحصين ، أي بإيجاد المناعة المكتسبة عند الإنسان ضدّ طفيليّة الملاريا وليس بقتلها أو قتل البعوضة الناقلة لها ، فلكلّ مخلوق دوره الذي يلعبه في الطبيعة ، وهو مسخّر لخدمة الإنسان. ولكلّ مخلوق ميزات خيّرة وميزات مضرّة ، علما أن الحصيلة النهائيّة لهذه الميزات هي لخير الإنسان ، فاتقاء أذى بعض المخلوقات يكون بواسطة العلم ، شرط أن يخضع هذا العلم للقواعد القرآنيّة في التعاطي مع هذه المخلوقات ومنها قوله تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (القمر : ٤٩) (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان : ٢) (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) (الروم : ٣٠) (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ) (الأنعام : ١٥١). واليوم بدأ علماء الأحياء والبيئة يعقلون النواميس القرآنيّة في الخلق ، لذلك وجدوا أن أجدى الطرق في محاربة بعوضة الملاريا والطفيليّة التي تنقلها تكون بواسطة تحصين الإنسان ضدّها من دون قتلها ، ووجدوا أيضا أن هناك مخلوقات سلّطها المولى على بعوضة الملاريا والطفيليّة التي تنقلها وهي التي تتكفّل بمنع أذاها عنه وتمنع انتشارها ، وكذلك هي الحال بالنسبة لبقيّة المخلوقات المسخّرة لخدمة الإنسان والتي كان يعتقد بأنها مؤذية فقط. ولو فهم الناس في العمق معنى قوله تعالى : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) (الفلق : ١ و ٢) الذي نفهمه والله أعلم ، بأن يلتجئ الإنسان إلى المولى ليعلّمه كيفيّة اتّقاء شرّ المخلوقات ، لما قضى الإنسان حتى الآن على آلاف الأنواع من المخلوقات الحيّة.
