برزة
مدينة بالشام من عمل الغوطة ، كان من أهلها رجل صالح وكان أعور ، قال الرّاوي : قلت له : «ما سبب ذهاب عينك؟». فقال : «أمر عجيب» ، وامتنع أن يخبرني شهورا ، ثم حدّثني قال : جاءني وأنا شاب رجلان ، فدفعا إليّ ثمن غرّارة قمح وقالا : «اعجن لنا كل يوم ربعا ، وأنفق لنا خمسة دراهم في لحم وشيء من الحلوى».
فأقاما عندي جمعة ثم قالا لي : «في قرية برزة واد» ، قلت : «نعم» ، فخرجا إليه نصف الليل وأخذاني معهما ونزلا إلى الوادي ، وكانت معهما دابّة محمّلة ، فحطّا عنها وأخرجا خمس مجامر وأوقدا فيها نارا وجعلا فيها بخورا كثيرا ، وأقبلا يعزّمان والحيّات تقبل إليهما من كل مكان فلا يعرضان إليها ، إلى أن جاءت حيّة نحو ذراع وعيناها تقدان مثل النّار ، فلمّا رأياها استبشرا وقالا : «الحمد لله ، من أجلها جئنا من خراسان».
ثم قبضا عليها ، ثم أدخلا في عينيها ميلا واكتحلا به. فقلت لهما : «أكحلاني كما اكتحلتما» ، فقالا : «ما يصلح لك» ، فقلت : «لا بدّ من ذلك» ، قالا : «يا هذا ما لك فائدة فيها» ، فقلت : «والله لا زايلتكما أو تكحّلاني ، أو لأصرخنّ بالوادي حتى يخرج [من فيه] فيؤخذ كل ما معكما».
فلمّا لم يريا لهما مني مخلصا قالا : فنكحّل عينك الواحدة ، فكحّلا عيني اليمنى ، فحين وقع ذلك في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة ، أنظر تحتها كما تؤدّي المرآة. ثم قالا لي : سر معنا قليلا ، فسرت معهما وهما يحدّثاني ، حتى إذا بعدنا عن القرية كتّفاني ، ثم أدخل أحدهما إصبعه في عيني فقلعها ورمى بها وتركاني ملقى ومضيا ، فكان آخر العهد بهما. ولم أزل مكتّفا إلى الصّبح ، حتى جاءني نفر من النّاس فحلّوني ، فهذا ما كان من خبر عيني (١).
(الرّوض المعطار ، ٨٧)
__________________
(١) رواية الرّجل يصعب تصديقها ، والظاهر أنها من تلفيقات أهل المطالب (الكنوز).