الغوطة
قيل هي قصبة دمشق ، وقيل هو موضع متّصل بدمشق من جهة باب الفراديس ، جبال ومزارع (١). وطول الغوطة مرحلتان في عرض مرحلة ، وبها ضياع كالمدن وجامع قريب الشّبه بجامع دمشق (٢). والغوطة أشجار وأنهار ومياه محدقة تشقّ البساتين ، وبها من أنواع الفواكه ما لا يحيط به تحصيل ، خصبا وطيبا.
وفي الخبر أن معاوية رضياللهعنه لمّا رأى القتل في أهل الشام يوم صفّين ، وكلب أهل العراق عليهم ، تجهّم لنعمان بن جبلة التّنوخي ، وكان صاحب راية قومه من تنوخ وبهراء ، وقال له : «والله لقد هممت أن أولّي قومك من هو خير منك مقاما وأنصح جيبا». فقال له النّعمان : «إنّا لو كنا ندعو إلى حيس مجموع لكان في الرّجال بعض الأناة ، فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة وردينيّة شارعة ، وقوم ذوي بصائر نافذة؟ والله لقد نصحتك على نفسي ، وآثرت ملكك على ديني ، وتركت لهواك الرّشد وأنا أعرفه ، وحدت عن الحقّ وأنا أبصره ، وما وفقت لرشدي حين أقاتل عن ملكك ابن عمّ رسول الله ، صلىاللهعليهوسلم ، وأوّل مؤمن به ومهاجر معه ، لو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرّعيّة ، وأجزل في العطيّة ، ولكن قد بذلنا لك أمرا لا بدّ من إتمامه ، غيّا كان أو رشدا ، وحاشا أن يكون رشدا. وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا ثمار الجنّة وأنهارها». وخرج إلى قومه وصمد للحرب.
__________________
(١) هذا دليل واضح على أن المؤلف لم يزر دمشق أصلا ، فكلمة «قيل» أولا تفيد بذلك صراحة ، ثم قوله إن بالغوطة جبالا ومزارع يدلّ على أن من مدّه بوصف دمشق كان يجهل طبوغرافية الغوطة ، التي تمتدّ بسهل لحقي منبسط حتى أكناف البادية. أما إن كان في قوله إشارة إلى أرباض دمشق الشمالية ، من بساتين شرقي الصالحية (أبو جرش في أيامنا) وما والاها كبرزة وحرنة ومعربا إلى منين والتلّ ، فهذا ممّا لا يدخل في حدود الغوطة أصلا. ويذكر البدري ، لاحقا في كتابنا هذا ، أن بساتين شرقي الصالحية كانت تعرف في ذلك العصر باسم : أراضي المزارع.
(٢) يلوح لنا أن المقصود به إما مسجد دوما أو عربين ، المشهورين منذ القدم بكبرهما.