قال : فمات في الطريق ، ففعلت ما أمرني به ، وكان معي أربعة جمال وحمارة ، فأوسقتها كلها مالا من المغارة ، وسرت بعض الطريق. وكانت معي مخلاة فنسيت أن أملاها من ذلك المال وداخلني الشّره ، فقلت : لو رجعت فملأت هذه المخلاة. فرجعت وتركت الجمال والحمارة في الطريق ، فلم أجد المكان الذي أخذت منه المال ، فدرت فلم أعرف ، فلما يئست رجعت إلى الجمال والحمارة فلم أجدها. فجعلت أدور في البريّة أياما فلم أجد لها أثرا ، فلمّا يئست رجعت إلى دمشق وقد ذهبت الجمال والحمارة فلم أحصل على شيء.
وألجأني الأمر إلى ما ترى يا أمير المؤمنين ، فها أنا أعمل كل يوم في التراب بدرهم ، فكلّما تذكّرت بكيت. فقال له الوليد : لم يقسم الله لك في تلك الأموال شيئا ، وإليّ صارت فبنيت بها هذا المسجد.
وفي غربي دمشق لأقل من ميل منها قصر الإمارة (١) ، وهي مدينة مسوّرة ، ولها بابان كبيران ، يسمى أحدهما باب الرّبوة والثاني باب حوران ، وبينهما أبواب كثيرة تسمى الخوخات. وفيها مسجد جامع متقن إلا انه لا يبلغ إتقان مسجد المدينة الكبرى ، وفيها أسواق كثيرة. وبين قصر الإمارة والمدينة بساتين وأنهار جارية ، وعلى قصر الإمارة قبّة حمراء مشرفة ، ويحيط بقصر الإمارة نهر من جميع جوانبه.
وجبل اللّكام (٢) جبل شاهق لاصق بمدينة دمشق ، وبينهما نهر عليه قنطرة لطيفة ، وهي تسقي بساتين الغوطة. وثنيّة العقاب على مقربة من مدينة دمشق تسير من الثنيّة في قرى النّصارى حتى تفضي إلى باب توما.
والخضراء من دمشق كان ينزلها معاوية بن أبي سفيان رضياللهعنه.
__________________
(١) هذا وصف نادر للغاية للقصر الأبلق الذي بناه الظاهر بيپرس عام ٦٦٥ ه ، في موقع التكيّة السّليمانية في أيامنا. والتفاصيل التي يذكرها فريدة جدا لا نجد مثالها لدى سواه ، حول أبوابه ومسجده وأسواقه وقبّته الحمراء. فعمّن نقل الرّجل هذه الأوصاف كلها؟!
(٢) هذا غلط فاللّكام (الأمانوس) من جبال السّاحل ، والصواب جبل قاسيون المعروف من سلسلة جبال سنير. أما الثنيّة فهي المعروفة ب «طلوع الثنايا» على طريق حمص.