وفي صحن المسجد قبّة قد أحكمت صنعتها وأتقنت أشد الإتقان ، فيها فوّارة من نحاس محكمة العمل يفور منها الماء ويرتفع نحو القامة ثم ينزل في حوض رخام بديع. ويستدير بهذه القبّة شباك من حديد ، وسطح الفوارة فسيفساء ، فيه صور غزلان وغيرها من الحيوان ، فإذا أشرفت على الفوّارة وهي مملوءة ماء رأيت منظرا أنيقا.
وعند الباب الشرقي من المسجد قبّة في أعلاها قناة رصاص ولها أنابيب من نحاس قد أخرجت من حدود القبّة توقد فيها السّرج ، وفي حيطان المسجد قناة للماء ، بأقفال ينزل ماؤها في حياض رخام في وسط كل حوض عمود من نحاس يندفع منه الماء مرتفعا علوا.
وفي أعلى مسجد دمشق قبّة خضراء مشرفة جدا. وجبّانة دمشق في الجنوب منها ، يكون طولها ميلا في مثله.
* * *
قالوا : ومرّ الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق برجل ممّن يعمل في المسجد وهو يبكي ، فقال : ما قصّتك؟ قال :
يا أمير المؤمنين كنت رجلا جمّالا فلقيني رجل فقال : أتحملني إلى مكان كذا وكذا؟ ، موضعا في البرّية ، قلت : نعم ، فلمّا حملته وسرنا بعض الطريق التفت إليّ فقال لي :
إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك وأنا حيّ أغنيك ، وإن متّ قبل بلوغي إليه فاحملني إلى الموضع الذي أصف لك ، فإنّ ثمّ قصرا خرابا ، فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة النهار ثم عدّ سبع شرافات من القصر ، واحفر تحت السابعة على قدر قامة فإنك ستظهر لك بلاطة فاقلعها فإنك ترى تحتها مغارة فادخلها ، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت ، فاجعلني على أحد السريرين ومدّني عليه ، وحمّل جمالك هذه وحمارتك مالا من المغارة وارجع إلى بلدتك.