وبهذه البلدة قلعة يسكنها السّلطان (١) منحازة في الجهة الغربية ، وهي بإزاء باب الفرج ، وبها جامع السّلطان. وبهذه البلدة قرب مائة حمّام ، وفي أرباضها نحو أربعين دارا للوضوء يجري الماء فيها كلها ، وهي أحسن البلاد للغريب لكثرة المرافق ، وأسواقها من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاما ولا سيما قيساريّتها.
وأهل دمشق يمشون أمام الجنازة بقرّاء يقرأون القرآن بأصوات شجيّة وتلاحين مبكية برفيع أصواتهم ، وكلهم يمشون وأيديهم إلى خلف ، قابضين بالواحدة على الأخرى ، ويركعون للسّلام على تلك الحالة ، والمحتشم منهم من يسحب أذياله على الأرض شبرا ويضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى. ويستعملون المصافحة إثر الصلوات لا سيما إثر صلاة الصبح وصلاة العصر.
ودمشق جامعة لصنوف المحاسن وضروب الصناعات وأنواع الثياب الحرير كالخزّ والديباج النّفيس ويتجهّز به إلى جملة الآفاق. وفي داخل دمشق [و] على أوديتها أرحاء كثيرة جدّا (٢).
وبها من الحلاوات ما لا يوجد بغيرها ، وأهلها في خصب أبدا. وهي أعزّ البلاد الشّامية وأكملها حسنا.
وكان الوليد فرش داخل المسجد بالرّخام الأبيض المختّم باللازورد تختيما متداخلا من أصل الحلقة ، وحيطان المسجد بالفسيفساء وسقفه لا خشب فيه وهو مذهب كله ، وله ثلاث منارات : المنارة الواحدة التي في مؤخّر المسجد [واثنتان في غربه وشماله ؛ والمسجد] مذهب كله من أعلاه إلى أسفله ذهبا وفسيفساء.
__________________
(١) لا يعني ذلك أن السّلطان المملوكي كان يقيم بدمشق ، بل ينزل بها أو بالقصر الأبلق (موضع التكيّة اليوم) أو بدار الذّهب (موضع قصر العظم اليوم) إن زار المدينة (كزيارات السّلطانين الظاهر وقايتباي). فدمشق لم تكن في عهد المماليك قاعدة للسّلطنة ، ومنذ أن أسّس السّلطان النّاصر صلاح الدّين دولة بني أيوب في عام ٥٧٠ ه جعل عاصمتها القاهرة ، وبقيت كذا إلى نهاية عهد الدّولة الأيوبية عام ٦٤٨ ه ، وقيام السّلطنة المملوكية في أعقابها. ثم استمرّت أيضا إلى سقوط الدّولة المملوكية في عام ٩٢٢ ـ ٩٢٣ ه.
(٢) كنا في بحث «خطط ريف دمشق» اكتشفنا مجموعة من الطواحين تعود لعهد المماليك.