متنزّه النيربين
ومن محاسن الشام المتنزّه المسمّى بالبهنسيّة (١) ، وهو روض يجمع بين الأشجار والفواكه والأزهار مع عيون الماء ، ويظهر منه إلى «مرجة جسر ابن شوّاش» (٢) ، به مقاصفي وبيع وشراء ، ويتوصّل منه إلى أراضي «حمص» (٣) ما بين رياض وغياض. ويعلوها محلة «النّيربين» (٤) ، وهي أعظم المحلات وأخضرها وأنضرها ، حسنة الأثمار كثيرة الأزهار وبها سويقة وحمّام يقال له «حمّام الزّمرّد» (٥) وجامع بخطبة ، وهي مسكن الرؤساء والأعيان ، وبها دار قاضي القضاة نجم الدّين يحيى ابن حجّي ، وفيها قتل رحمهالله تعالى. ومنها يدخل إلى أرض الرّبوة. وأعجب من هذا ، أن السّالك إلى الرّبوة من حين يخرج من باب جامع يلبغا ، يمشي بين أشجار وأثمار ومياه وظلّ ظليل ، لا يمكن أن يرى الشّمس إلا أن يقصد رؤيتها. انتهى.
__________________
(١) أتوقع أن يكون موقع البهنسية عند الأرض التي قام عليها فندق شيراتون في أيامنا.
(٢) في بساتين كيوان (وادي عتمة) ، ما بين فندق شيراتون وزقاق الصخر الواقع شرقي مشفى المواساة التي قامت على بستان السّيلون. وبقيت هذه المرجة على حالها إلى أيامنا ، إلى أن بدئ مؤخرا بتجهيزها لبناء فنادق على ضفّة بردى إلى الشرق من طاحون الرّهبان (طاحون كيوان بالعهد العثماني) وكانت من ضمن الوادي التحتاني. أما الجسر فينسب إلى الحسن بن علي بن شوّاش المقرئ (٤٣٧ ه) ، وما زال باقيا إلى أيامنا وله ٤ قناطر حجرية ، على وضعه السابق بعد ترميمه عام ٨٨٦ ه كما يذكر المؤرخ ابن طوق.
(٣) انفرد البدري بذكر أراضي حمص ، باستثناء ابن حجّة الحموي ، الذي ذكر عام ٧٩١ ه : نهر حمص. ويستخلص من قولهما أنه فرع من نهر بردى يتفرّع في «الوادي التحتاني» شرقي الرّبوة ، بمنطقة كيوان اليوم. فيفهم أن المنطقة التي شرقي مرجة جسر ابن شوّاش وأسفل النّيربين كانت تعرف بأراضي «حمص». وتقع اليوم عند أسفل حديقة تشرين على طريق بيروت ، وغربي الشيراتون حيث كان مسبح السيريانا (الجديد).
(٤) ينطبق موقع النّيرب الأعلى اليوم على حيّ المالكي وغربيّه ومنطقة مشفى الشامي وحديقة تشرين. أما النّيرب الأدنى فينطبق على حي أبي رمّانة وطرفه الغربي المحاذي للمالكي.
والنّيرب اسم آرامي : (نيربا) مخفّف من (ناربا) ، ويعني : الوادي.
(٥) كان موقعه بأسفل جسر الأياسة (حديقة الجاحظ) بالنّيرب التحتاني ، عرفت أرضه حتى منتصف القرن العشرين ببستان الحمّام ، وكانت تشغله في النصف الأول من القرن بعض الأبنية ، ثم قامت في موقعه بعصرنا مكتبة الأسد المطلّة على ساحة الأمويين.