وكنا رأينا في نص ابن أجا الحلبي ، الوارد آنفا في كتابنا ، كيف أن السّلطان قايتباي نفسه كان جرّد عام ٨٧٥ ـ ٨٧٧ ه حملة عسكرية على إمارة دلغادر في شرقي الأناضول ، بقيادة الأمير يشبك الظاهري ، الذي تمكّن من دحرها والقضاء على تمرّدها المدعوم من قبل العثمانيين. وبالطبع ، أثارت هذه الحملة حفيظة هؤلاء ، وبدأت حدّة الموقف تتصاعد بين الطرفين.
في هذا الموقف المنذر بالخطر ، قام السّلطان برحلته التفقّدية هذه ، التي امتدّت من آخر شهر جمادى الأولى إلى أواخر رمضان من تلك السّنة ، وزار في أثنائها دمشق العاصمة الثانية لمملكته ، في طريق عودته إلى مصر ، وأقام بها من ١٦ شعبان إلى ١٠ رمضان من عام ٨٨٢ ه.
خرج السّلطان من القاهرة في أواخر جمادى الأولى دون ضجّة أو احتفال ، ولم يكن رفقاؤه في الرّحلة يتجاوزون الأربعين نفرا ، بينهم الأمير تاني بك قرا الدّوادار الثاني ، والأمير جاني بك العلائي ، والأمير يشبك الجمالي.
ومرّ بطريقه بالصّالحيّة والعريش وغزّة وقاقون والنّاصرة وصفد وبعلبك وطرابلس واللاذقيّة وأنطاكية وبغراس وعينتاب ، ووصل قلعة المسلمين ، ثم عاد من ديار بكر بطريق حلب وسرمين وحماة وحمص والنّبك ودمشق وسعسع وجسر بنات يعقوب وخان منية وقاقون. وتبع هنا نفس الطريق التي جاء منها. وأثناء إقامته بدمشق ، أصيب بمرض شديد ، لكنه عوفي منه.
اهتمّ قايتباي ، فضلا عن التفتيش على القلاع والجسور ، بمقابلة الحكّام والأمراء المحلّيين ، وبحث شؤون المناطق التي يحكمونها. وكان هؤلاء الأمراء يبادرون إلى تقديم الهدايا الثمينة للسّلطان ورجال حاشيته ، على طول طريق رحلته ، وكان هو نفسه يخلع في مناسبات كثيرة على الأمراء والنوّاب. غير أن أعظم الهدايا كانت ما أعطاه لإسحق پاشا ، رسول «النّاصري ابن عثمان» ، صاحب مملكة الرّوم ، أي دولة بني عثمان كما كانت تعرف آنذاك ، والمقصود بالنّاصري : السّلطان أبو النّصر محمد خان الثاني ، فاتح القسطنطينية.