أما القاضي بدر الدّين أبو البقاء محمد ، فقد ولي في عهد قايتباي كتابة السّرّ ، وكان على قول ابن إياس الحنفي في كتابه «بدائع الزّهور في وقائع الدّهور» (٣ : ٣٦٣) : «رئيسا حشما فاضلا عارفا بأحوال المملكة ، وكان مقرّبا عند الأشرف قايتباي ورقّي في أيامه وانتهت إليه الرياسة ، وكان أدوبا حلو اللسان سيوسا وله اشتغال بالعلم ، وكان من نوابغ بني الجيعان. أنشأ بالقاهرة عمارة الزّاوية الحمراء وجعل بها خطبة وحوضا وسبيلا ، وأنشأ هناك القصور والمناظر والغيط الحافل». ثم توفي مقتولا في زقاق بني الجيعان عام ٩٠٢ ه.
ترك لنا ابن الجيعان نصّا مهمّا دوّن فيه مجريات رحلة السّلطان قايتباي من مصر إلى بلاد الشّام وعودته إلى القاهرة عام ٨٨٢ ه ، وكان المؤلّف مرافقا للسّلطان في هذه الرحلة خطوة بخطوة ، وهذا يدلّ على مدى مكانته وحظوته لديه. وأطلق ابن الجيعان على مؤلّفه عنوان : «القول المستظرف في سفر مولانا الملك الأشرف» ، وهو على شكل يوميات تؤرّخ لأخبار خط سير الرّحلة.
لم تكن هذه مجرّد رحلة عادية كالذي ألفناه ورأيناه في كتابنا هذا ، فقد قام بها سلطان مصر والشّام بنفسه ، وأحاطها بشبه سريّة تامة ، وتغيّب عن كرسي مملكته أكثر من أربعة أشهر دون أن يوصي بالحكم لأحد أثناء غيابه ، وتجرّد لها بعدد قليل من المرافقين. وهذه جرأة أقدم عليها مرارا في عدّة رحلات قام بها أثناء حكمه الطويل الذي امتد ٢٩ عاما (٨٧٢ ـ ٩٠١ ه) ، أثبت فيها اقتداره وقوّة حكمه ، على غرار ما قام به الملك الظاهر بيپرس في رحلته الشهيرة عام ٦٦٧ ه (١).
وكانت الغاية من وراء هذه الرّحلة الوقوف ، عن كثب ، على الأوضاع السّياسية والعسكرية ، وتفقّد التحصينات الدّفاعية لبلاد الشّام ، من حصون وقلاع وطرقات وجسور ، إثر تنامي التنافس والعداء بين المماليك الچراكسة والأتراك العثمانيين في الأناضول. وكان شمال سورية معرّضا آنئذ للخطر العثماني ، بعد أن استقرّ العثمانيون في آسيا الصغرى كلّها.
__________________
(١) كانت رحلته إلى الحجاز لتأكيد سلطانه ثم إلى الشام. السّلوك للمقريزي ، ١ : ٥٨١.