وفي صبيحة يوم الأحد ، ركب وسلّم على حريم كافل المملكة الشّامية ، ودخل الجامع الأموي وصلّى ركعات وتصدّق على من وجد به من الفقراء ، وأقام بالوطاق منتظرا المشاة والقاضي شرف الدّين الأنصاري والمشايخ إلى يوم الجمعة تاسع عشره دخل البلد وصلّى الجمعة بمقصورة جامع الأموي.
وخطب قاضي القضاة قطب الدّين الشافعي ، أسبغ الله ظلاله ، خطبة بليغة حرّض فيها على التثبّت والصّبر في الأمور واتفاق الكلمة وما يحدث من الاختلاف ، وأتى بآيات من كتاب الله تعالى وأحاديث أجاد فيها إنشاء وإنشادا.
فلمّا خرج من الجامع ، وقف له الناس صفوفا وهم يدعون له ويتضرّعون إلى الله بنصره على عدوّ الله وعدوّ المسلمين ، فشاهد جماعة مستكثرة من الفقراء واقفين على باب الجامع ، فرسم لي بأن أقف مع خازنداره وأتصدّق من ماله عليهم. ففرّقت جميع ما وجدته مع الولد شادباك خازندار الكيس إلى أن نفد ، وكان معي بعض شيء أضفته إلى ذلك ونفقته مع ذلك ولله الحمد. وقاسيت في ذلك اليوم من الازدحام ما لا يمكن تعبيره.
ورسم أن يفرّق على المماليك السّلطانية عليق شهر ذي القعدة ، فغلط الكاتب وفرّق عليق أربعين يوما تكملة شهر شوّال ، وهي المدة التي مضت بالقاهرة ، فطلب الكاتب وضربه ضربا مبرّحا ، وأقام في التّرسيم (١) أياما ثم أنعم عليه وصفح وأطلقه.
وفي رابع عشرينه وصل القاضي شرف الدّين الأنصاري وأخبر أن المشاة تكمّلوا وأنهم توجهوا على طريق وادي التّيم (٢) ، فرحل من دمشق نهار الجمعة بعد صلاة الظهر ونزل عند خان لاجين (٣).
__________________
(١) الترسيم من مصطلحات العهد المملوكي ، ويعني الحبس أو الإقامة الجبرية.
(٢) وادي التّيم : تسمية قديمة لما يعرف في أيامنا بقضائي حاصبيّا وراشيّا الواقعين على السّفح الغربي لجبل الحرمون في الأراضي اللبنانية. والمعنى في الكنعانيّة : الجنوب.
(٣) خان لاجين : خان قديم لا يزال قائما ، يقع إلى الشمال من قرية عدرا على الطريق بين دمشق وتدمر. بناه الأمير المملوكي حسام الدّين لاجين نائب دمشق عام ٦٩٠ ه في عهد ـ الملك المنصور قلاوون. ويعرف في أيامنا بخان عيّاش نسبة إلى أحد شيوخ البدو الذي سكنه في القرن الماضي.