قلت : وكان هذا اليمين بحضرة جماعة من فقهاء التّرك من أصحاب نوروز ، فلم يفطن أحد منهم لعدم ممارستهم لهذه العلوم ، وإنّما جلّ مقصود الواحد منهم يقرأ مقدّمة في الفقه ويحلّها على شيخ من الفقهاء أهل الفروع ، فعند ذلك يقول : أنا صرت فقيها ، وليته يسكت بعد ذلك ، ولكنه يعيب أيضا على ما عدا الفقه من العلوم ، فهذا هو الجهل بعينه. انتهى.
ثم عادت رسل نوروز إليه بصورة الحلف ، فقرأه عليه بعض من عنده من الفقهاء من تلك المقولة ، وعرّفه أن هذا اليمين ما بعده شيء. فاطمأنّ لذلك ، ونزل من قلعة دمشق بمن معه من الأمراء والأعيان ، في يوم حادي عشرين ربيع الآخر ، بعد ما قاتل الملك المؤيّد نحوا من خمسة وعشرين يوما أو أزيد. ومشى حتى دخل على الملك المؤيّد ، فلمّا رآه المؤيّد قام له ، فعند ذلك قبّل نوروز الأرض وأراد أن يقبّل يده ، فمنعه الملك المؤيّد من ذلك. وقعد الأمير نوروز بإزائه ، وتحته أصحابه من الأمراء ، وهم : الأمير يشبك بن أزدمر ، وطوخ ، وقمش ، وبرسبغا ، وإينال الرّجبي ، وغيرهم. والمجلس مشحون بالقضاة والفقهاء والعساكر السّلطانيّة.
فقال القضاة : «والله هذا يوم مبارك بالصّلح وبحقن الدّماء بين المسلمين» ، فقال القاضي ناصر الدّين بن البارزي كاتب السّرّ : «نهار مبارك لو تمّ ذلك!». فقال الملك المؤيّد : «وكيف لا يتمّ وقد حلفنا له وحلف لنا؟». فقال القاضي ناصر الدّين للقضاة : «يا قضاة ، هل صحّ يمين السّلطان؟» ، فقال قاضي القضاة جلال الدّين البلقيني : «لا والله ، لم يصادف غرض المحلّف». فعند ذلك أمر الملك المؤيّد بالقبض على الأمير نوروز ورفقته ، فقبض في الحال على الجميع ، وقيّدوا وسجنوا بمكان من الإسطبل ، إلى أن قتل الأمير نوروز من ليلته ، وحملت رأسه إلى الدّيار المصريّة على يد الأمير جرباش ، فوصلت القاهرة في يوم الخميس مستهلّ جمادى الأولى ، وعلّقت على باب زويلة ، ودقّت البشائر ، وزيّنت القاهرة لذلك.
* * *