وأخذ المؤيّد في محاصرته ، واستدام الحرب بينهم أيّاما كثيرة في كل يوم ، حتى قتل من الطائفتين خلائق ، فلمّا طال الأمر في القتال أخذ أمر الأمير نوروز في إدبار ، وصار أمر الملك المؤيّد في استظهار.
* * *
فلمّا وقع ذلك وطال القتال على النّوروزيّة ، سئموا من القتال وشرعوا يسمعون نوروز الكلام الخشن ، وهدمت المؤيّديّة طارمة دمشق (١) ، كل ذلك والقتال عمّال في كل يوم ليلا ونهارا ، والرّمي مستدام من القلعة بالمناجيق ومكاحل النّفط. وطال الأمر على الأمير نوروز ، حتى أرسل الأمير قمش إلى الملك المؤيّد في طلب الصّلح ، وتردّدت الرّسل بينهم غير مرّة ، حتى انبرم الصّلح بينهم بعد أن حلف الملك المؤيّد لنوروز بالأيمان المغلّظة ، وكان الذي تولّى تحليف الملك المؤيّد كاتب سرّه القاضي ناصر الدّين محمد بن البارزي.
حكى لي القاضي كمال الدّين ابن القاضي ناصر الدّين محمد بن البارزي ، كاتب السّرّ الشريف من لفظه ، رحمهالله قال : قال الوالد : «لمّا أخذت في تحليف الملك المؤيّد بحضرة رسل الأمير نوروز ، والقضاة قد حضروا أيضا ، فشرعت ألحن في اليمين عامدا في عدّة كلمات (٢) ، حتى خرج معنى اليمين عن مقصود نوروز (٣)». فالتفت القاضي ناصر الدّين محمد بن العديم الحنفي ، وكان فيه خفّة وقال للقاضي الشافعي : «كأن القاضي ناصر الدّين بن البارزي ليس له ممارسة بالعربيّة والنّحو ، فإنّه يلحن لحنا فاحشا». فسكّته البلقيني لوقته (٤).
__________________
(١) الطّارمة : بناء للسّلطان كان ملحقا بخارج القلعة ، وهو قاعة خشبية أنيقة ذات شبابيك تعلوها قبّة من الخشب. وفي لهجة دمشق كانت منها بقية : الطّرمة (غرفة علوية).
وسيرد ذكرها في نصّ أبي البقاء البدري أدناه.
(٢) سمعنا بعض أبناء عصرنا يفعلون مثل ذلك ، لكنّهم كانوا سفهاء لا قضاة!
(٣) ما شاء الله! يجاهر القاضي بسلوكه في أساليب الاحتيال ولا يراعي؟ ما الفارق إذا بين ما فعله وبين ما كان فعله تيمور لنك بالأمس إذ حنث بعهوده وغدر بدمشق؟
(٤) الملاحظ أن المؤامرة كانت بترتيب ثلاثة من القضاة! فما بال شرع الله تعالى يخالف لمجرّد أن الغاية تبرّر الواسطة؟