فاستحسن جميع عسكره هذا الرأي إلا هو ، فإنّه لم يعجبه ، وسكت طويلا ، ثم رفع رأسه وقال : «يا أطا (١) ، أنا قتلت هذه الخلائق لتعظم حرمتي ، فإن رجعت من هنا أيش يبقى لي حرمة؟ وأنا أعرف بحال هؤلاء من غيري ، والله ما صفتهم قدّامي إلا كالصّيد المجروح ، والله إذا بقي معي عشرة مماليك قاتلتهم بهم ، ولا أطلب إلا أن يثبتوا ويقفوا ويقاتلوني حتى أنتصف منهم».
فقال له الوالد : «اعلم أنهم الآن يقاتلونك».
* * *
ثم طلبنا الملك النّاصر ، فأحضرونا بين يديه ، وكنّا ستّة ذكور ، فقبّلنا يده ـ وأنا أصغر الجميع ـ فسأل عن أسمائنا ، فقيل له ذلك. ثم تكلّم الأتابك دمرداش المحمّدي عن لسان الوالد بالوصيّة علينا ، فقال [السّلطان] : «هؤلاء أولادي وأصهاري وإخوتي ، ما هذه الوصيّة في حقّهم؟». كل ذلك والوالد ساكت ، قد أسنده مماليكه لا يتكلّم ، فلمّا قام النّاصر قال الوالد : «أودعت أولادي إلى الله تعالى ، واستعنت به في أمرهم». فنفعنا ذلك غاية النّفع ـ ولله الحمد ـ مع ما أخذ لنا من الأموال التي لا تدخل تحت حصر ، عند هزيمة الملك النّاصر من الأمراء ودخوله إلى دمشق.
* * *
ثم خرج الملك النّاصر من دمشق بعساكره في يوم الإثنين سادس المحرّم ، ونزل برزة ، ثم رحل منها يريد محاربة الأمراء (٢).
(النّجوم الزّاهرة ، ١٣ : ١٣٥ ـ ١٣٩)
__________________
(١) في التّركية : ata تعني الأب ، كما تطلق على الآباء والأجداد السّالفين. ومنها اسم عائلة شهيرة بحمص : الأتاسي Atasi ، أي الأب بصيغة التّعريف.
(٢) نتوقّف عن تفصيل وقائع النّاصر والأمراء خارج دمشق ، لنذكر ما جرى له بها بعد.