ثم شفع الوالد في القاضي محمد بن البارزي ، فطلبه السّلطان بدار السّعادة وأطلقه من سجنه بقلعة دمشق.
ثم أفرج السّلطان أيضا عن الأمير نكباي الحاجب ، وكان الوالد قبض عليه وحبسه.
* * *
ثم دخل السّلطان للوالد ، واستشاره في الملأ من النّاس فيما يفعل مع هؤلاء الأمراء العصاة ، فقال له الوالد : «يا خوند ، تذبح في سنتك خمسمائة نفس ، وتتجرّد في سنتك؟! فرسك الذي تحتك عاص عليك» ، فقال له الملك النّاصر : «الكلام في الفائت فائت ، أيش تشير عليّ الآن؟» ، فقال : «عندي رأي أقوله ، إن فعله السّلطان انصلح به حاله» (١). قال : «وما هو؟».
قال : «ترجع من هنا إلى مصر ، فمن كان له ميل إليك عاد صحبتك ، ومن كان قد داخله الرّعب منك فهو يفارقك من هنا ويتوجّه إلى القوم ، فإن دخلت إلى مصر ناد بالأمان ، وكفّ عن قتل مماليك أبيك وغيرهم ، وأغدق عليهم بالإحسان ، وأكثر إليهم من الاعتذار فيما وقع منك في حقّ غيرهم ، واسلك معهم قرائن تدلّ على صفو النيّة. فبهذا تطمئنّ قلوب رعيّتك ويعودون لطاعتك ، فإذا صار معك منهم ألف مملوك قهرت بهم جميع أعدائك ، لما شاع من إقدامك وشجاعتك ، ولعظم ما في قلب أعدائك من الرّعب منك».
«وأيضا فإن هؤلاء الأمراء العصاة قد كثروا إلى الغاية ، فالبلاد الشاميّة لا تقوم بأمرهم ، فإما أن يقع بينهم الخلف على البلاد فيفترقوا ، وإمّا أن يتّفقوا ويجتمعوا على قتالك ويأتوك إلى مصر ، فاخرج إليهم والقهم برأس الرّمل ، فإن انتصرت عليهم فافعل ما بدا لك ، وإن كانت الأخرى فاخرج إلى البلاد ، فمن قرا يوسف صاحب العراق إلى والي قطيا في طاعتك. فما عندي غير هذا».
__________________
(١) نصيحة خال السّلطان هذه كانت نفعته لولا إباؤه واعتداده البالغان ، وكان قاسيا غشوما للغاية ، راجع قصة قتله لمطلّقته بنت صرق في النّجوم الزّاهرة ، ١٣ : ١٣٠.