وتمادى الحصار ليلا ونهارا ، حتى قدم المنجنيق من دمشق (١) على مائتي جمل. فلمّا تكامل نصبه ولم يبق إلا أن يرمى بحجره ـ وزنته تسعون رطلا شاميا ـ ترامى الأمير شيخ ومن معه من الأمراء على الأمير الكبير تغري بردي الأتابك (٢) ، وألقوا إليه ورقة في سهم من القلعة ، يسألونه فيها الوساطة بينهم وبين السّلطان (٣).
* * *
شهر ربيع الآخر ، أوله الثلاثاء :
فيه قدم السّلطان دمشق قبيل الغروب ، وقد جدّ في المسير ، فنزل بدار السّعادة. وأما الأمير شيخ فإنه نزل من قلعة صرخد بعد رحيل السّلطان ، ولبس تشريف نيابة طرابلس ، وقبّل الأرض على العادة ، وعاد إلى القلعة ، وجهّز ابنه إلى الأمير تغري بردي ، فرحل به من صرخد ، ورحل معه سائر من تأخّر من الأمراء السّلطانية ...
وفي سابعه قدم ابن الأمير شيخ ـ وعمره سبع سنين ـ فأكرمه السّلطان وخلع عليه ، وأعاده إلى أبيه ومعه خيول وجمال وثياب ومال كبير.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره صلّى السّلطان الجمعة بالجامع الأموي ، وسار بعساكره يريد مصر ، فنزل الكسوة.
(السّلوك للمقريزي ، ٤ / قسم ١ : ٩١ ـ ١٠٧)
__________________
(١) ليت شعري أين كان مثل هذا المنجنيق العملاق قبل ٩ سنين عندما حاصر المغول دمشق؟
(٢) هو خال السّلطان النّاصر ، تقدّم ذكره في روايته لاقتحام المغول لدمشق.
(٣) يتابع المؤلّف الحديث كيف تم الصّلح وصفح السّلطان عن شيخ ، على أن يدلي بابنه الصغير بحبل من سور قلعة صرخد : «فصاح الصغير وبكى من شدّة خوفه ، فرحمه من حضر ، وما زالوا به حتى نشله». وهو ذاته الذي خلع عليه فيما بعد.