ورأى أهل دمشق أنواعا من العذاب لم يسمع بمثلها ، منها أنهم كانوا يأخذون الرّجل فتشدّ رأسه بحبل ويلوونه حتى يغوص في رأسه ، ومنهم من كان يضع الحبل بكتفي الرّجل ويلويه بعصاه حتى تنخلع الكتفان ، ومنهم من كان يربط إبهام يدي المعذّب من وراء ظهره ، ثم يلقيه على ظهره ويذرّ في منخريه الرّماد مسحوقا ، فيقرّ على ما عنده شيئا بعد شيء ، حتى إذا فرغ ما عنده لا يصدّقه صاحبه على ذلك ، فلا يزال يكرّر عليه العذاب حتى يموت ، ويعاقب ميّتا مخافة أن يتماوت. ومنهم من كان يعلّق المعذّب بإبهام يديه في سقف الدّار ويشعل النّار تحته ، ويطول تعليقه فربّما يسقط فيها ، فيسحب من النّار ويلقوه على الأرض حتى يفيق ، ثم يعلّقه ثانيا.
واستمرّ هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يوما ، آخرها يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب من سنة ثلاث وثمانمائة ، فهلك في هذه المدّة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى.
* * *
فلمّا علمت أمراء تيمور أنه لم يبق بالمدينة شيء ، خرجوا إلى تيمور ، فسألهم : هل بقي لكم تعلّق في دمشق؟ فقالوا : لا. فأنعم عند ذلك بمدينة دمشق على أتباع الأمراء (١) ، فدخلوها يوم الأربعاء آخر رجب ، ومعهم سيوف مسلولة مشهورة وهم مشاة ، فنهبوا ما قدروا عليه من آلات الدّور وغيرها ، وسبوا نساء دمشق بأجمعهنّ ، وساقوا الأولاد والرّجال ، وتركوا من الصّغار من عمره خمس سنين فما دونها ، وساقوا الجميع مربوطين في الحبال.
ثم طرحوا النّار في المنازل والدّور والمساجد ، وكان يوم (sic.) عاصف الرّيح ، فعمّ الحريق جميع البلد ، حتى صار لهيب النّار يكاد أن يرتفع إلى السّحاب ، وعملت النّار في البلد ثلاثة أيام بلياليها ، آخرها يوم الجمعة.
__________________
(١) أتباع الأمراء تعبير يقابله في لغة اليوم : صفّ الضبّاط.