الميرة سنين ، وقد داخل أهلها أيضا من الخوف ما لا مزيد عليه ، فهم يقاتلون قتال الموت. وتيمور لا يقدر على أخذها مني بسرعة ، وهو في عسكر كبير إلى الغاية لا يطيق المكث بهم بمكان واحد مدّة طويلة ، فإمّا أنه يدع دمشق ويتوجّه نحو السّلطان إلى غزّة ، فيتوغّل في البلاد ويصير بين عسكرين ـ وأظنه لا يفعل ذلك ـ وإمّا أنه يعود إلى جهة بلاده كالمنهزم من عدم معرفة عساكره بالبلاد الشّاميّة ، وقلّة ما في طريقه من الميرة لخراب البلاد ، ويركب السّلطان بعساكره المصريّة والشاميّة أقفية التّمريّة إلى الفرات ، فيظفر منهم بالغرض وزيادة.
فاستصوب ذلك جميع النّاس ، حتى تيمور عندما بلغه ذلك بعد أخذه دمشق ، وما بقي إلا أن يرسم بذلك ، تكلّم بعض جهّال الأمراء مع بعض في السرّ ممّن عنده كمين من الوالد من واقعة أيتمش وتنم ، وقال : تقتلوا رفقته وتسلّموه الشام؟! والله ما قصده إلا أن يتوجّه إلى دمشق ، ويتّفق مع تيمور ويعود يقاتلنا ، حتى يأخذ منا ثأر رفقته! وكان نوروز الحافظي بإزاء الوالد ، فلمّا سمع ذلك استحيا أن يبديه للوالد ، فأشار عليه بالسّكات والكفّ عن ذلك.
وانفضّ المجلس ، وخرج الوالد من الخدمة وأصلح شأنه ، وتوجّه إلى دمشق ، فوجد الأمير دمرداش نائب حلب قد هرب من تيمور وقدم إلى دمشق ، وقد جفل أهل دمشق لمّا بلغهم قرب تيمور إلى دمشق. فأخذ الوالد في إصلاح أمر دمشق ، فوجد أهلها في غاية الاستعداد ، وعزمهم قتال تيمور إلى أن يفنوا جميعا (١) ، فتأسّف عند ذلك على عدم قبول السّلطان لرأيه ، ولم يسعه إلا السّكات.
* * *
ثم رحل جاليش السّلطان من غزّة في رابع عشرين شهر ربيع الآخر ، ثم رحل السّلطان ببقيّة عسكره من غزّة في سادس عشرينه ، وسار الجميع حتى وافوا دمشق.
__________________
(١) ليتهم كانوا فعلوا ذلك ، ولم يلقوا بالا إلى ابن مفلح وجهالاته!