وكان دخول السّلطان دمشق في يوم الخميس سادس جمادى الأولى ، وكان لدخوله يوم مهول من كثرة صراخ النّاس وبكائهم والابتهال إلى الله بنصرته. وطلع السّلطان إلى قلعة دمشق ، وأقام بها إلى يوم السبت ثامنه ، فنزل من قلعة دمشق وخرج بعساكره إلى مخيّمه عند قبّة يلبغا ظاهر دمشق ، وتهيّأ للقاء تيمور هو بعساكره ، وقد قصّرت المماليك الظاهريّة أرماحهم حتى يتمكّنوا من طعن التّمريّة أولا بأوّل ، لازدرائهم عساكر تيمور (١).
فلمّا كان وقت الظهر من اليوم المذكور ، وصل جاليش تيمور من جهة جبل الثّلج (٢) في نحو الألف فارس ، فبرز إليهم مائة فارس من عسكر السّلطان وصدموهم صدمة واحدة ، بدّدوا شملهم وكسروهم أقبح كسرة ، وقتلوا منهم جماعة كبيرة وعادوا.
ثم حضر إلى طاعة السّلطان جماعة من التّمريّة ، وأخبروا بنزول تيمور على البقاع العزيزي ، «فلتكونوا على حذر ، فإن تيمور كثير الحيل والمكر» ، فاحترز القوم منه غاية الاحتراز.
ثم قدم على السّلطان خمسة أمراء من أمراء طرابلس بكتاب أسندمر نائب الغيبة بطرابلس ، يتضمّن أن الأمير أحمد بن رمضان أمير التّركمان هو وابن صاحب الباز وأولاد شهري اتّفقوا وساروا إلى حلب وأخذوها من التّمريّة ، وقتلوا من أصحاب تيمور زيادة على ثلاثة آلاف فارس ، وأن تيمور بعث عسكرا إلى طرابلس ، فثار بهم أهل القرى وقتلوهم عن آخرهم بالحجارة لدخولهم بين جبلين ، وأنه قد حضر من عسكر تيمور خمسة نفر وأخبروا بأن نصف عسكر تيمور على نيّة المسير إلى طاعة السّلطان.
__________________
(١) كان الجيش المملوكي في القرون الوسطى من أقوى جيوش العالم ، من حيث تدريبه وإتقان ضباطه وعساكره لفنون القتال والفروسية ، وبخاصة كتائب المماليك السّلطانية ، الذين سحقوا لويس التاسع في المنصورة ٦٤٨ ه ، وكتبغا نوين في عين جالوت ٦٥٨ ه ، وإليهم يعود الفضل في طرد التّتار والصليبيين من الشام ومصر نهائيا.
(٢) جبل الثّلج كما يسمّيه جغرافيو العصر هو المعروف في أيامنا بجبل الشيخ أو الحرمون.