واستطردت إلى (باب البريد) (١) ، فوجدت خيول الماء الجارية قد انقطعت عن تلك المراكز ، ونظرت إلى السّراج الأكبر وقد انعقد لسانه لما شعر من ممدوح الماء بعدم تلك الجوائز.
ونظرت إلى أهل الصّلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصّبر دروع ، وقد استعدّوا بسهام من الأدعية أطلقوها على قسيّ الركوع.
|
مريّشة بالهدب من جفن ساهر |
|
منصّلة أطرافها بدموع |
ونظرت إلى الريّان من العلم وقد اشتدّ لفقد الماء ظماه ، وتبلّد ذهنه حتى صار ما يعرف من أين الطريق إلى باب المياه.
ومشيت بحكم القضاء إلى (الشّهود) (٢) فوجدت كلا منهم قد راجع سهاده وطلّق وسنه ، وتأمّلت أهل (السّاعات) وقد صار عليهم كل يوم بسنة ، ونزلت في ذلك الوقت من (السّاعات) إلى الدّرج في دقيقة ، فانتهيت إلى مجاز طريق (الفوّار) (٣) فوجدته كأن لم يكن له حقيقة.
كم وردته وهو كأنه سنان يطعن في صدر الظما ، أو كشجرة كدنا نقول إنها طوبى لمّا ظهرت وأصلها ثابت وفرعها في السّما ، أو مغترف بيده الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا ، فرفع له لأجل ذلك فوق قناته راية بيضا ، أو عمود وفاء أشارت الناس إليه بالأصابع ، أو ملك طالب السماء بودائع ، حتى كأن إكليل الجوزاء له من جملة الودائع ، أو أبيض طائر علا حتى قلنا إنه يلتقط حبّات النجوم الثواقب ، أو شجاع ذو همّة عالية يحاول ثأرا عند بعض الكواكب ، فخفض لفقد الماء مناره وخفي بعد ما كان به أشهر من علم ، وجدع أنفه وطالما ظهر وفي عرنينه شمم ، فقلت :
__________________
(١) تورية عن باب البريد ، وهو الباب الغربي للجامع الأموي المفضي إلى المسكيّة سابقا.
(٢) الشّهود تورية بمصاطب الشهود جنوبي الأموي ، أما باب السّاعات فتسمية كانت تطلق على باب جيرون الشرقي بالأموي ، وقبلها كانت تطلق على باب الزّيادة القبلي.
(٣) تقدّم ذكره ، فوّار باب جيرون إلى الشرق من الجامع الأموي ، يعرف اليوم بالنّوفرة.