|
لست أنسى الفوّار وهو ينادي |
|
غيض مائي وعطّل الدّهر حالي |
|
فتمنّيت من لهيبي بأنّي |
|
أشتري غيضه بروحي ومالي |
فلا والله ما كانت إلّا أيسر مدّة حتى رجع الماء إلى مجاريه ، وابتسم ثغر (دمشق) عن شنب الريّ بعدما نشف ريقه في فيه.
هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم ، وبطلت آلتها التي كان لها على تحريك الأوتار وجسّ العيدان نغم. واعتقل الرّمح بسجن السّلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود ، وهجعت مقل السيوف في أجفانها لمّا علمت أن الزّيادة في الحدّ نقص في المحدود.
وفاضت غدران الرّحمة على رياض الأمن فظهر لها من المسرّة نبات حسن ، فالحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.
* * *
وبعد ، فالمعذرة من فهاهة هذه الرسالة التي هي في رياض الأدب باقليّة ، والصّفح عن طولها وقصر بلاغتها بين يدي تلك المواقف السّحبانية ، وليكن محمولا على متن الحلم كلامها الموضوع ، فقد علم الله أنها صدرت من قلب مكسور وفؤاد مصدوع وذهن ضعيف ، وليس لكثير ضعفه عاصم ولا نافع ، وراحلة فكر أمست وهي عند سيرها إلى غايات المعاني ظالع :
|
فسيروا على سيري فإنّي ضعيفكم |
|
وراحلتي بين الرّواحل ظالع |
هذا وكم تولّد للمملوك في طريق الرّمل من عقله ، وكم ذاق من قطّاع الطريق أنكادا حتى ظن أنه لعدم النّصرة ليس له إلى الاجتماع من وصلة. وكلّما زعق عليه غراب البين تألّم لسهام البين وفقد مصر التي هي نعم الكنانة ، وأنشد وقد تحيّر في الرّمل لفراق ذلك التّخت الذي أعزّ الله سلطانه :
|
من زعقة الغراب بعد الملتقى |
|
فارقت مصرا وبها أحبابي |
|
وفي طريق الرّمل صرت حائرا |
|
مروّعا من زعقة الغراب |