[ياقوت الكلام في ما ناب الشام](١)
[رحلة ابن حجّة الحموي من مصر إلى دمشق ، سنة ٧٩١ ه]
قلت : ذكرت بهذه الرّحلة (٢) أيضا رحلتي من الدّيار المصرية إلى دمشق المحروسة المحميّة ، سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ، والملك النّاصر قد خرج من الكرك (٣) ، ونزل عليها وتصدّى لحصارها ، وقد اجتمعت عليه العساكر المصرية والشّامية ، وحدث بدمشق ما حدث من القتال والحصار والحريق.
فكتبت إلى المقرّ المرحومي الفخري ، القاضي ابن مكانس ، في شرح ذلك رسالة لم ينسج على منوالها ، ولم تسمح على غلبة الظنّ قريحة بمثالها (٤) ، وهي :
يقبّل المملوك أرضا من يمّمها أو تيمّم بثراها حصل له الفخر والمجد ، فلا برح هيام الوفود إلى أبوابها أكثر من هيام العرب إلى ريّا نجد ، ولا زالت فحول الشّعراء تطلق أعنّة لفظها فتركض في ذلك المضمار ، وتهيم بواديها الذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح في بيوت الأشعار. وينهى ـ بعد أشواق أمست الدّموع بها في محاجر العين معثّرة ، ولو لم يقرّ إنسانها بمرسلات الدّمع لقلت : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) ـ وصول المملوك إلى دمشق المحروسة ، فيا ليته قبض قبل ما كتب عليه ذلك الدّخول.
__________________
(١) هذا العنوان ليس في «ثمرات الأوراق» ، إنما ورد في نسخة منفصلة ، انظر المقدمة.
(٢) يذكر المؤلف ذلك في كتابه (ثمرات الأوراق ، ص ٣٨١) بمناسبة إيراده لأخبار رحلة ابن نباته «حظيرة الأنس إلى حضرة القدس» ، ورحلته (ابن حجّة) الرّوميّة عام ٨١٦ ه.
(٣) هذا سبق قلم من المؤلّف أو النّاسخ ، فالمقصود الملك الظاهر برقوق لا ابنه النّاصر فرج الذي تسلطن بوفاة أبيه عام ٨٠١ ه بعد عشرة أعوام من الحادثة المذكورة. انظر «الدّرّة المضيّة» لابن صصرى (ص ٢٥) حول نزول الملك الظاهر بالكرك وتحالف نائبها معه.
(٤) إن هذا إلا ما يراه المؤلّف في حقّ نفسه ، ولست أرى ما يراه ، بل إن النصّ مغرق في فنون البديع من جناس وطباق وتضمين واستطرادات أدبية وشعرية ، مما أضاع المعنى على حساب اللفظة. وشتّان بين وصفه للواقعة ووصف ابن صصرى لها. وهو هنا يذكّرنا بالمؤلفات العجيبة التي دبجها يراع العماد الأصفهاني بكل تكلّف وتقعّر.