فحضرت وقد تغيّر لوني ، وأحضرتها معي بين يدي مولانا السّلطان الملك النّاصر ، والرّسول حاضر ، فقلت : هذه المرأة التي عندي ، فقال لها الملك النّاصر بحضرة الرّسول : ترجعين إلى بلادك ، أو إلى زوجك؟ فقد فككنا أسرك وأسر غيرك.
فقالت : يا مولانا السّلطان ، أنا قد أسلمت وحملت ، وها بطني كما ترونه ، وما بقيت الإفرنج تنتفع بي. فقال لها الرّسول : أيّما أحبّ إليك ، هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي فلان؟ فأعادت عبارتها الأولى. فقال الرّسول لمن تبعه من الإفرنج : اسمعوا كلامها. ثم قال لي الرّسول : خذ زوجتك.
فولّيت بها ، فطلبني ثانيا ، وقال : أمّها أرسلت معي وديعة وقالت : إن ابنتي أسيرة وأشتهي أن توصل لها هذه الكسوة ، فتسلّمنا الكسوة ومضينا إلى الدّار ، وفتحنا القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمها ، ووجدت الصرّتين الذّهب ، الخمسين دينارا والمائة دينار كما هما بربطتيّ لم يتغيّرا. وهؤلاء الأولاد منها ، وهي التي صنعت لكم هذا الطعام (١).
(ثمرات الأوراق ، ٢٣٦ ـ ٢٣٩)
__________________
(١) هذه والله من أعجب القصص وأندرها. بها يحار القارئ ، أيعجّب لغريب اتّفاق الدّهر أم يقدّر عفّة الرّجل ، أم يكبر شهامة السّلطان النّاصر عملاق الرّجولة ، أو أنه يتأثّر لإسلام المرأة ووفاتها لزوجها يوم خيرت ، أو للخاتمة الدّراماتيكية للقصّة؟
يبقى لنا أن نتصوّر مقدار شدّة الوفاء والحبّ الذي أكنّه هذا الرجل لزوجته الفرنجيّة ، وهي بالمناسبة كانت فرنسية غالبا. ألا هكذا فلتكن المحبّة وإلا فلا طائل منها.