فنظر المملوك إلى (قبّة يلبغا) (١) وقد طار بها طير الحمام ، وجثت حولها تلك الأسود الضارية ، فتطيّرت في ذلك الوقت من القبّة والطير وتعوّذت بالغاشية. ودخلت بعد ذلك إلى (القبيبات) (٢) التي صغّر اسمها لأجل التحبيب فوجدتها وقد خلا منها كلّ منزل كان آنسا بحبيبه ، فأنشد به لسان الحال : «قفا نبك من ذكرى حبيب».
ونظرت بعد القباب إلى (المصلّى) (٣) وما فعلت به سكّان تلك الخيام ، والتفتّ إلى بديع بيوته التي حسن بناء تأسيسها وقد فسد منها النظام :
|
فسال وقد وقفت عقيق دمعي |
|
على أرض المصلّى والقباب |
ونظرت إلى ذلك الوادي الفسيح وقد ضاق من الحريق بسكّانه الفضا ، فتوهمت أن وادي (المصلّى) قد تبدّل بوادي الغضا.
|
فسقى الغضا والسّاكنيه وإن هم |
|
شبّوه بين جوانحي وضلوعي |
واصطليت النار ، وقد أرادت سبي ذلك النادي ، فشبّت عليه من فوارس لهيبها الغارة ، وركضت في (ميدان الحصى) (٤) فوجدت أركانه كما قال تعالى : (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ*).
ودخلت (قصر الحجّاج) (٥) ، وقد مدّت النار به من غير ضرورة في موضع القصر ، وأصبح أهله في خسر ، وكيف لا وقد صاروا عبرة لأهل العصر!
__________________
(١) هي المدخل الرّسمي الجنوبي لدمشق عند قرية القدم ، كانت بها منصّة تشريفات في العهد المملوكي. راجع نصّي ابن أجا والبدري اللاحقين أدناه.
(٢) من الأحياء الجنوبية المعروفة بدمشق ، وهي جزء من حي الميدان الوسطاني ، تقع إلى الجنوب من الحقلة وإلى الشمال من الميدان السّلطاني. كانت في الأصل قرية خارج سور المدينة ، نما حولها النسيج العمراني وامتدّ حي الميدان وتكامل على صورته المعروفة.
(٣) محلّة معروفة إلى يومنا بهذا الاسم ، تقع بين السّويقة ومبتدأ سكّة حي الميدان.
(٤) هو مبتدأ حيّ الميدان المعروف اليوم (عند باب مصلّى) ، من الضواحي الجنوبية لدمشق.
(٥) محلّة معروفة إلى يومنا بهذا الاسم ، تقع إلى الجهة الغربية من باب الجابية.