فمضت ثلاث سنين ، وجرى للسّلطان الملك النّاصر ما جرى من وقعة حطّين وأخذه جميع الملوك ، وفتحه بلاد السّاحل بإذن الله تعالى (١). فطلب مني جارية للملك النّاصر ، فأحضرت جارية حسنة ، فاشتريت له مني بمائة دينار ؛ فأوصلوا إليّ تسعين دينارا وبقيت عشرة دنانير فلم يلتقوها في الخزانة ذلك اليوم ، لأنه أنفق جميع الأموال ، فشاوروه على ذلك ، فقال : امضوا به إلى الخزانة التي فيها السّبي من نساء الإفرنج ، فخيّروه في واحدة منهن يأخذها بالعشرة الدّنانير التي له.
فأتيت الخيمة ، فعرفت غريمتي الإفرنجية ، فقلت : أعطوني هاتيك. فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وخلوت بها ، وقلت لها : أتعرفينني؟ قالت : لا ، فقلت : أنا صاحبك التاجر الذي جرى لي معك ما جرى ، وأخذت منّي الذّهب ، وقلت ما بقيت تبصرني إلا بخمسمائة دينار ، وقد أخذتك بعشرة دنانير. فقالت : مدّ يدك ، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله. فأسلمت وحسن إسلامها.
فقلت : والله لا وصلت إليها إلا بأمر القاضي ، فرحت إلى ابن شدّاد (٢) وحكيت له ما جرى ، فعجب وعقد لي عليها ، وباتت تلك الليلة عندي فحملت مني.
ثم رحل العسكر ، وأتينا دمشق ، وبعد مدّة يسيرة أتى رسول الملك يطلب الأسارى والسّبايا باتّفاق وقع بين الملوك ، فردّوا من كان أسيرا من الرّجال والنساء ، ولم يبق إلا التي عندي ، فسألوا عنها واتّضح الخبر أنها عندي وطلبت مني.
__________________
(١) وكان ذلك في عام ٥٨٣ ه / ١١٨٧ م ، ومن ضمنه فتحه لمدينة عكّا التي جرت بها وقائع بداية الحكاية ، والتي بقيت في يده حتى عام ٥٨٧ ه / ١١٩١ م ، عندما سقطت بيد الملك الإنكليزي ريتشارد قلب الأسد قائد الحملة الصليبية الثالثة.
(٢) بهاء الدّين يوسف بن رافع الشهير بابن شدّاد ، كان قاضي عسكر السّلطان النّاصر صلاح الدّين الأيوبي وأحد أدنى مقرّبيه بأواخر حياته ٥٨٤ ـ ٥٨٩ ه. ألّف عنه كتابه الرائع الذائع الصيت : «النّوادر السّلطانية والمحاسن اليوسفية» ، نشرته عام ٢٠٠٣.